التقارير

من يُعلّم الجيل الجديد؟ معضلة التعلّم العميق في زمن وكلاء الذكاء الاصطناعي

تشهد شركات الاستشارات الأربع الكبرى (Deloitte، وErnst and Young، وKPMG، وPwC) تحوّلًا جذريًا في طريقة العمل بعد إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، خاصة مع بدء الاعتماد على “وكلاء ذكيين” لإنجاز المهام الروتينية التي طالما كانت المجال الرئيسي لتكوين خبرات الموظفين الجدد.

على مدى عقود، مثّل العمل على المهام البسيطة والمتكررة – من إعداد الوثائق وتدقيق البيانات إلى المراجعة الأولية والعرض على المديرين – بوابة الدخول الأولى لفهم جوهر العمل، واكتساب الخبرة العملية وتعلّم أسباب ودوافع الإجراءات والمراجعات التي تؤسس لما هو أبعد من مجرد تنفيذ التعليمات.

إلا أن إدخال الذكاء الاصطناعي في هذه المهام بات يغيّر طبيعة مسار التعلم الوظيفي، ما يطرح أسئلة بين قيادات القطاع حول الكيفية المثلى لإعداد قيادات المستقبل، خاصة أن معظم هؤلاء القادة صقلوا خبراتهم عبر سنوات من الاحتكاك العملي المباشر، وليس فقط من متابعة المخرجات الجاهزة.

وفي تصريح حديث نقلاً عن Business Insider، أقرّت قيادات في “الأربعة الكبار” بوجود فجوة في الرؤية حول كيفية بناء المهارات الأساسية العميقة في جيل الموظفين الجديد حين تنتقل الأعمال الروتينية إلى الذكاء الاصطناعي، وهو ما عبّرت عنه نايال كليوبيري، المسؤولة عن تطوير القوى العاملة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في KPMG، بقولها إن الشركات نفسها لا تملك حتى الآن إجابات نهائية لهذا التحوّل.

ورغم أن الاتجاه السائد يركّز على “تعليم المهارات الاستراتيجية” وتوفير التعرض المبكر للقرارات المهمة والتعامل المباشر مع العملاء، إلا أن التحدي يكمن في قدرة الموظفين الجدد على فهم السياق والمسببات والدروس الأساسية التي تأتي عادة مع تكرار “الأعمال البسيطة”.

قد يهمك | أربع شركات ذكاء اصطناعي صاعدة ستغير قطاع الاستشارات وتطوير الأعمال

ويحذر خبراء من أن الاقتصار على مراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي قد يغري البعض باعتقاد “الفهم الكافي” نظريًا، دون احتكاك فعلي يُنتج خبرة عملية متراكمة.

في المقابل، تراهن شركات المحاسبة والاستشارات على أن دخول الذكاء الاصطناعي لن يختزل تشكيل الكوادر الشابة في مهارات رقمية فقط، بل سيكون الانخراط في النقاشات الاستراتيجية والتعرض المبكر للمشاكل الكبرى بمثابة الأساس لبناء جيل جديد من القادة بمهارات مختلفة تتناسب مع عصر جديد.

وتعمل شركات مثل PwC على دمج البرامج التدريبية التي تربط بين القدرات التقنية والمهارات البشرية، وتؤكد أن “فهم الأسباب” أهم من الاكتفاء بتعلّم تنفيذ المهام.

أما في الجانب الاستشاري، فيُنظر إلى زيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي كفرصة لتسريع تطوير الكفاءات، مع التركيز على الفكر التحليلي وتفسير نتائج الأنظمة الذكية أمام العملاء، بدلًا من الاكتفاء بالمهام التنفيذية التقليدية.

ومع أن الرهان على الذكاء الاصطناعي كأداة لرفع القيمة المضافة واضطلاع الأجيال الجديدة بأدوار أعلى في وقت مبكر قد يبدو واعدًا، إلا أن التجربة الفعلية لما بعد التحوّل تظل مفتوحة على جميع الاحتمالات.

وحتى تتشكل طبقة من “المديرين الأصيلين” من أبناء الجيل الرقمي، ستظل معضلة “من أين تأتي الخبرة العميقة؟” سؤالًا مطروحًا في أروقة الشركات الكبرى، دون إجابة شافية في الأفق القريب.


للاطلاع على آخر أخبار الاستثمار الجريء، تابع جولة على إكس أو لينكدإن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
✨ اسأل جولة AI
Jawlah AI
مرحباً! كيف يمكنني مساعدتك اليوم؟
×