مقالات

صوت المؤسس: كيف يعزز التواصل الإعلامي قيمة الشركات الناشئة أو يدمرها

في عالم الأعمال اليوم، تتشابك الهوية الشخصية للمؤسس مع الهوية المؤسسية لشركته بشكل غير مسبوق. ومع صعود ثقافة “الرئيس التنفيذي المؤثر”، بات العديد من أصحاب الشركات الناشئة يشاركون تفاصيل حياتهم، وآراءهم السياسية، وانفعالاتهم اللحظية عبر حساباتهم الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي.

ولكن، من منظور الاستثمار الجريء، هل يعد هذا الانفتاح ميزة تسويقية أم مخاطرة غير محسوبة قد تعصف بالعلامة التجارية للشركة وجولاتها التمويلية؟

بين إلهام “ستيف جوبز” وثرثرة الشبكات الاجتماعية

في عام 1997، عندما عاد ستيف جوبز لإنقاذ آبل من حافة الانهيار، أطلّ في ظهوره الإعلامي الأول بهدوء، مرتدياً قميص أسود بسيط، متحدثاً عن “الرؤية” وليس المنتجات. بدا الأمر عفوياً وبسيطاً، لكن الحقيقة أن خلف هذا الظهور كانت هناك تدريبات مكثفة ومراجعة دقيقة لكل كلمة وحركة.

على العكس من ذلك، يقع العديد من قادة الشركات الناشئة اليوم في فخ الخلط بين “الأصالة” و”العشوائية الرقمية”؛ فالتغريدات غير المدروسة، والمشاركة المفرطة للانفعالات الشخصية، قد تخلق أزمات علاقات عامة تدفع المستثمرين للهروب.

لتجنب هذا الفخ وحماية العلامة التجارية للشركة، يجب على المؤسسين تبنّي استراتيجية تواصل إعلامي منضبطة، ترتكز على القواعد العملية التالية حسب منشور هارفارد بزنس ريفيو:

تقنين الظهور

قبل نشر أي محتوى شخصي، يجب على القائد أن يسأل نفسه: هل هذا يخدم رسالتي؟ فالعقل البشري يميل لتذكر المعلومات المنظمة. لذا، يُنصح باستخدام مبادئ مثل هرم مينتو (هرم ماكنزي)، الذي يركز على ثلاثة مستويات متتالية: الاستنتاج الرئيسي الذي يثير الفضول، ثم الحجج والمعلومات المقنعة، ثم البيانات الداعمة.

على سبيل المثال، عندما يغرد تيم كوك (الرئيس التنفيذي لآبل)، فإنه يحافظ على رسائل بسيطة تدور حول الابتكار والخصوصية، مما يضمن اتساق هوية العلامة التجارية دون التورط في جدالات شخصية تضر بقيمة أسهم الشركة.

السرد القصصي بدلاً من اليوميات المبتذلة

الجمهور يحب القصص، لكن المستثمرين يكرهون التخبط. يجب على القادة استخدام نماذج احترافية مثل هرم فريتاج لبناء قصة متماسكة حول نمو الشركة وتحدياتها، بدلاً من سرد شكاوى شخصية.

تشير دراسة لشركة “ظهور” المتخصصة في الظهور القيادي، والتي حللت أداء 14 قيادي سعودي، إلى أن 43% منهم فشلوا في تلخيص حديثهم أو التذكير بالرسائل الاتصالية المهمة.

هذا التشتت على الشاشات يقابله تشتت أسوأ على منصات التواصل، حيث تضيع رسالة الشركة وسط الضجيج الشخصي للمؤسس.

إدارة الاستفزاز الرقمي بذكاء

تُعد وسائل التواصل الاجتماعي بيئة خصبة للانتقادات والأسئلة الاستفزازية، والرد بانفعال شخصي قد يدمر سمعة الشركة في دقائق.

يُنصح هنا باستخدام أسلوبين: استراتيجية PREP التي تقوم على تحديد النقطة الرئيسية، ثم ذكر السبب، ثم تقديم المثال، ثم تأكيد النقطة مجدداً؛ واستراتيجية الجسر (Bridging) التي تحوّل مسار الهجوم السلبي إلى فرصة لتعزيز رسالة الشركة الإيجابية.

درس من الكبار

عندما سُئل ساتيا ناديلا (الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت) عن المنافسة الشرسة مع جوجل، لم يهاجم أو ينفعل، بل استخدم استراتيجية الجسر بهدوء للتركيز على نقاط قوة مايكروسوفت، مما عزز مصداقيته القيادية أمام المستثمرين والجمهور على حد سواء.

الصدق والبساطة

تؤكد الكاتبة سيلفيا آن هيوليت في كتابها “الحضور التنفيذي: الحلقة المفقودة بين الجدارة والنجاح” أن القادة الصادقين يبنون علاقات أقوى. نعم، يمكنك مشاركة تجارب شخصية لإضفاء طابع إنساني، ولكن يجب أن تكون تجارب تخدم رؤية الشركة ولا تكشف نقاط ضعف كارثية أو آراء متطرفة.

إيلون ماسك يمثل حالة دراسية معقدة هنا؛ فعلى الرغم من أن عفويته تبني قاعدة جماهيرية ضخمة، إلا أن تغريداته الانفعالية تسببت مراراً في تقلبات حادة لأسهم شركاته.

وأبرز دليل على ذلك أن هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) وجهت إليه تهمة الاحتيال في الأوراق المالية بسبب تغريداته المضللة عام 2018، وانتهت القضية بتسوية دفع بموجبها ماسك وتسلا كل منهما 20 مليون دولار، أي ما مجموعه 40 مليون دولار، وهو ما لا يستطيع مؤسس في بداية طريقه تحمله لا مالياً ولا من حيث تدمير السمعة.

التدريب الإعلامي

يعتقد بعض رواد الأعمال أن التدريب الإعلامي مقتصر على المقابلات التلفزيونية، متناسين أن حسابهم على منصة X أو LinkedIn هو منبر إعلامي يبث لملايين البشر يومياً. التدريب الإعلامي يساعد القادة على التحكم في السرد والحفاظ على رباطة الجأش تحت الضغط الرقمي.

تُعد شيريل ساندبرغ، الرئيسة التنفيذية للعمليات (COO) السابقة في Meta، نموذج يُحتذى به في هذا الشأن؛ إذ اشتهرت بحضورها الإعلامي المتميز واتزانها في التعامل مع الأسئلة الصعبة، مما جعلها لسنوات صوتاً موثوقاً في عالم الأعمال العالمي.

هذا النهج يجب أن يمتد ليشمل كيفية التعامل مع المنصات الشخصية بالمستوى ذاته من الاحترافية.

أمثلة حية

لإدراك حجم التأثير الفعلي، يمكننا النظر في حالات دراسية حقيقية من منظومة ريادة الأعمال والتقنية، سواء على المستوى العالمي أو داخل منظومة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث لعبت الحسابات الشخصية للمؤسسين دوراً حاسماً في رفع تقييم شركاتهم أو في تدمير ثقة صناديق الاستثمار الجريء.

دو كوون وشركة Terraform Labs

قبل الانهيار المروع لعملة Luna المشفرة، كان المؤسس دو كوون معروفاً بتغريداته الاستفزازية والمتعجرفة على منصة X، حيث كان يسخر من منتقديه بعبارات هجومية، مما خلق انطباعاً لدى المراقبين والمستثمرين بأن الشركة تُدار بعقلية مندفعة تفتقر إلى النضج والحوكمة.

غير أن المشكلة كانت أعمق من مجرد أزمة تواصل؛ فقد ثبت لاحقاً أن كوون كذب على المستثمرين حول أمان المنتج وطبيعة دعمه، وانتهى المطاف بإدانته بتهمة الاحتيال.

هنا يكمن الدرس المزدوج: فالتواصل المتهور على منصات التواصل الاجتماعي لم يكن فقط مؤشراً على ضعف الشخصية القيادية، بل كان انعكاساً لأزمة حوكمة هيكلية عميقة داخل الشركة.

وعندما وقعت الأزمة، تحولت تلك التغريدات إلى مادة دسمة للإعلام، وتبخرت ثقة المستثمرين تماماً؛ لأن العلامة التجارية ارتبطت شخصياً بغطرسة مؤسسها وانعدام نزاهته.

سام بانكمان-فريد وانهيار FTX

في ذروة أزمة المنصة، وبدلاً من الاعتماد على استراتيجية تواصل مؤسسي رصينة لتهدئة الأسواق، لجأ المؤسس إلى نشر سلسلة من التغريدات الغامضة والمشتتة.

هذا السلوك غير المدروس في وقت حرج أرسل إشارة إنذار نهائية لصناديق الاستثمار بأن القيادة تعيش حالة من التخبط الكامل، مما سرع من سحب الاستثمارات وتدمير سمعة الشركة للأبد. المشكلة لم تكن ما قاله، بل كيف قاله، ومتى قاله.

براين تشيسكي (Airbnb)

يُعد الرئيس التنفيذي لشركة Airbnb نموذج ممتاز لاستخدام الحساب الشخصي كأداة لدعم العلامة التجارية.

فمنذ سنوات، أرسى تشيسكي تقليداً سنوياً يتمثل في توجيه سؤال مباشر لمتابعيه في مطلع كل عام: “لو كان بإمكان Airbnb إطلاق أي شيء هذا العام، ماذا سيكون؟”، ثم يشارك التحديثات بناء على ردود المتابعين الفعلية.

هذا الظهور، رغم أنه يبدو عفوياً، هو استراتيجية مدروسة بامتياز؛ إذ تظهر الشركة بمظهر المستمع الجيد، ويتحول الحساب الشخصي إلى أداة علاقات عامة تقوي ثقة المستثمرين في مرونة الإدارة وقدرتها على التكيف مع السوق.

مدثر شيخة (Careem)

بالنظر إلى قطاع الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يبرز مؤسس Careem كنموذج للقائد المنضبط في تواصله؛ إذ يستخدم منصة LinkedIn للتركيز على تمكين المواهب المحلية، ومشاركة الدروس المستفادة من تحويل Careem إلى تطبيق فائق متكامل للخدمات، والاحتفاء بإنجازات المنظومة التقنية الإقليمية.

بيد أن هذا لا يعني أن شيخة محصن من الأخطاء؛ ففي عام 2023، تعرض لردود فعل واسعة بعد منشور على LinkedIn نصح فيه بعدم الانضمام لـ Careem لمن تكون أولويته الراتب أو الدوام المنتظم، وهو ما وصفه كثيرون بأنه “انفصال عن الواقع”، مما أثار جدلاً واسعاً حول مدى تقدير القيادة لظروف الموظفين.

هذا الموقف بالذات يُجسّد الدرس الجوهري: حتى القادة الأكثر انضباطاً يمكن أن تنزلق أصابعهم في لحظة غير محسوبة، وهو ما يجعل التدريب الإعلامي المستمر ضرورة وليس خيار.

ما الذي تخبرنا به هذه النماذج؟

تثبت هذه الحالات الأربع للمستثمرين وصانعي القرار أن الحساب الشخصي للمؤسس لم يعد مجرد مساحة للرأي الحر، بل هو إما “أصل غير ملموس” يرفع من القيمة السوقية للشركة، أو “عبء مالي” ومخاطرة قد تكلف الشركة جولات تمويلية حاسمة.

الفارق بين الحالتين ليس الموهبة أو المنتج أو حتى نتائج الشركة المالية؛ الفارق هو وجود استراتيجية تواصل إعلامي واعية يتبناها المؤسس بالقدر ذاته من الجدية التي يتبنى بها استراتيجيته التجارية.

فالمستثمر الذكي اليوم لا يراهن فقط على الفكرة أو السوق، بل يراهن أيضاً على قدرة المؤسس على تمثيل شركته بصوت رصين وموثوق، في أوقات الرخاء والأزمات على حد سواء.


للاطلاع على آخر أخبار الاستثمار الجريء، تابع جولة على إكس أو لينكدإن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
✨ اسأل جولة AI
Jawlah AI
مرحباً! كيف يمكنني مساعدتك اليوم؟
×