
تحرّك عالم الذكاء الاصطناعي اليوم ليس فقط بدافع السباق نحو التطوير التقني، بل وأيضًا بفعل منافسات شخصية ومعارك نفوذ بين كبار قادته، وفي القلب من هذه المعركة صراع مفتوح بين سام ألتمان رئيس OpenAI، وداريو أمودي المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي الحالي لشركة Anthropic.
هذه الخلافات، التي تجمع بين جراح قديمة وطموحات متضاربة، لم تعد طي الكواليس، بل صارت تؤثر بوضوح على الطريق الذي تختاره أكبر شركات الذكاء الاصطناعي في العالم، والتداعيات تطال وتيرة التطور وأطر السلامة وفرص العمل بل وحتى الأفكار حول بقاء الجنس البشري نفسه، حسب تقرير WSJ.
من بيت مشترك إلى خطوط المواجهة
بدأت بذور التوتر في 2016 في منزل جماعي بشارع Delano في سان فرانسيسكو. هناك عاش داريو أمودي مع شقيقته دانييلا وعدد من رواد التقنية والباحثين. وكان جريج بروكمان، شريك ألتمان والمؤسس المشارك في OpenAI، مولعاً بالتقنيات الجديدة وحاول ضم داريو مبكرًا لفريق المؤسسين، لكنه اصطدم حينها بعدم اهتمام داريو.
النقاشات بين داريو وبروكمان حول كيفية التصرف في مسألة تطور الذكاء الاصطناعي وإشراك الرأي العام أو إبلاغ الحكومة أولًا، كشفت عن شرخ فكري بين فلسفتي OpenAI وAnthropic.
لاحقًا، جذبت قوة فريق OpenAI داريو أمودي، الذي أصبح أحد أنشط باحثيها وشارك في تطوير بعض أهم مشاريعها المبكرة مثل “Universe” وGPT-2 وGPT-3. لكن المناصب والصلاحيات والحملات الداخلية وحتى مشاعر تهميش دور أمودي، وضعت الجميع على طريق صدام متعدد الجبهات.
تراكم الجراح القديمة
شهدت سنوات العمل تمزق الثقة بين القادة الرئيسيين في OpenAI. من خلافات على نسب الفضل وإنجازات المشاريع، إلى مشادات حول من يقود مسارات الأبحاث، وأحيانًا اتهامات مباشرة في الاجتماعات حول “المؤامرة على الإدارة”.
وتعمقت هوة الخلافات مع مطالب بحصرية إدارة الفرق، وشعور أمودي بتقليل قيمته أو استبعاده من لقاءات مهمة، مع تناوب بروكمان ودانييلا (التي أصبحت تدير مشاريع لغوية رئيسية) على الدخول في صدامات حول أحقية كل واحد منهما بقيادة فرق الذكاء اللغوي.
بحلول 2020، وبعد سلسلة من المناقشات الحادة وتسريب تعليقات ونقد متبادل وصل أحياناً إلى حد الاتهامات الشخصية، كوّن أمودي “كتلة” داخلية وفكر بجدية في الخروج، بل كتب مذكرة تُفصّل رؤيته للشركات التي تبني “من أجل السوق” مقابل الشركات ذات المهمة العامة، ووصف النموذج المثالي بأنه ينبغي أن يكون “%75 صالح عام، %25 سوق”.
الانشقاق الكبير وولادة منافس شرس
نهاية 2020، غادر أمودي، ودانييلا، ونخبة من كبار مهندسي OpenAI ليؤسسوا Anthropic، مستندين إلى قناعة عميقة بأن وتيرة التطور في الذكاء الاصطناعي يجب أن تترافق مع أولوية قصوى للسلامة والأخلاقيات، بعكس توجه OpenAI الأكثر انفتاحًا على المخاطرة والسعي لدخول السوق بسرعة.
ثمة استراتيجية واضحة داخل Anthropic مبنية على تسويق الشركة كـ “البديل الصحي” أمام منتجات OpenAI. ظهر ذلك في حملاتهم الإعلانية، وفي التصريحات التي وصفت تبرعات قادة OpenAI لدعم حملات سياسية بأنها “شريرة”، وشبهت الشركة بمصانع التبغ التي تروج بوعي لمنتجات ضارة.
العداء لا يتوقف عند حدود العمل بل يظهر أيضًا في تنافسهم على العقود الحكومية الحساسة، خاصة بعد خلاف Anthropic مع البنتاغون وإعلان ألتمان صفقة سرية مع وزارة الحرب الأمريكية. إذ خرج أمودي في رسالة حادة يتهم OpenAI بـ “الخداع”، قائلاً: “هذا السلوك تكرر كثيراً من سام ألتمان”.
ماذا بعد؟
بلغت قيمة كل من OpenAI وAnthropic مئات المليارات من الدولارات، ومع اقتراب كل منهما من الطرح الأولي للأسهم، تتعمق جذور الصراع من تفاصيل تقنية إلى دوافع شخصية متجذرة عمرها أكثر من عقد.
هل يمكن أن تنجح الشخصنة والنزعات الفردية في إرباك قطاع الذكاء الاصطناعي كله أو تغيير مفاهيم السلامة ومعايير تطوير هذه التقنيات المستقبلية؟
للاطلاع على آخر أخبار الاستثمار الجريء، تابع جولة على إكس أو لينكدإن.



