مقالات

ميرا موراتي: من هندسة الأنظمة إلى هندسة المستقبل

تقدّم ميرا موراتِي نموذجًا متماسكًا لقيادة تقنية تعرف أين تضع الجهد وكيف تحوّل الأبحاث إلى منتجات. بدأت القصة من شغف مبكر بالرياضيات والهندسة، وتبلورت ومرت بمحطات مؤثرة في تسلا وLeap Motion ، قبل أن تبلغ ذروتها داخل OpenAI حيث أشرفت على تطوير منتجات محورية مثل ChatGPT و DALL·E و Sora، وتولّت إدارة الشركة لبضعة أيام خلال أزمة 2023.

ورغم وهج تلك المرحلة، ظل سؤالها الرئيسي عمليًا وبسيطًا: كيف نجعل قدرات الذكاء الاصطناعي أقرب إلى فرق البحث والمطورين، وأسرع وصولًا إلى الاستخدام الحقيقي؟

البداية

وُلدت موراتِي في فلوره، ألبانيا، عام 1988، ونَمَت في بيئة أهّلتها للتفوّق العلمي منذ وقت مبكر.

بحصولها على منحة United World Colleges درست في Pearson College بكندا، ثم اختارت مسارًا أكاديميًا يجمع بين بكالوريوس الرياضيات من Colby ودرجة الهندسة الميكانيكية من Thayer – Dartmouth.

هذا المزج بين التفكير التحليلي والصرامة الهندسية سيظهر لاحقًا في قراراتها المهنية: من تجربة مبكرة في Goldman Sachs بطوكيو، إلى دور هندسي في Zodiac Aerospace، ثم قفزة نوعية في تسلا كمديرة منتج أول لبرنامج Model X، حيث تعلّمت هندسة الأنظمة على نطاق صناعي، قبل أن تنتقل إلى Leap Motion نائبةً للرئيس للمنتج والهندسة لتقترب أكثر من حافة التفاعل بين الإنسان والآلة.

رحلة OpenAI

في OpenAI، التي انضمّت إليها عام 2018، شاركت موراتِي في نقل المؤسسة من طور المختبر إلى سوق واسع الاستخدام.

تدرّجت وصولًا إلى منصب المدير التقني في 2022، وأشرفت على فرق أنتجت ChatGPT و DALL·E و Codex و Sora، ما جعل تقنيات معقدة جزءًا من تفاعل يومي لدى ملايين المستخدمين. وخلال أزمة نوفمبر 2023 تولّت الإدارة مؤقتًا، في لحظة كشفت وزنها داخل الشركة وقدرتها على تسيير فرق تحت ضغط غير عادي.

بالتوازي، حصدت تقديرًا عالميًا بتواجدها في قوائم فورتشن وتايم، ودكتوراه فخرية من دارتموث، مع استمرار نقاشات عامة حول أثر الذكاء الاصطناعي على الوظائف الإبداعية، كانت فيها واضحة في دعوتها لتنظيم مسؤول ومشاركة أوسع من خارج المجتمع التقني.

تأسيس Thinking Machines Lab

ثم في سبتمبر 2024 اختارت أن تبدأ فصلًا جديدًا، معلنةً رحيلها عن OpenAI. وفي فبراير 2025 أسست Thinking Machines Lab كشركة منفعة عامة، لتعلن منذ البداية أن بناء المنتج سيسير جنبًا إلى جنب مع التزام واضح بالأثر.

جمعت الشركة جولة تأسيسية استثنائية بقيمة 2 مليار دولار عند تقييم 12 مليارًا، بقيادة Andreessen Horowitz ومشاركة Nvidia و AMD و Accel و ServiceNow و Cisco و Jane Street.

والأهم أنّها شكّلت فريقًا يضم قرابة 30 باحثًا ومهندسًا من OpenAI و Google و Meta و Mistral و Character.AI، نواةً علمية وهندسية لمشروع يركّز على جعل التقنيات أكثر مرونة وقابلة للتخصيص.

أولى ثمار هذا التركيز ظهرت مع إطلاق Tinker، منصة تتيح للباحثين والمطورين ضبط النماذج وتخصيصها دون الحاجة لإدارة بنى تحتية معقدة أو الدخول في تفاصيل التدريب الموزع.

تتيح Tinker العمل على نماذج مفتوحة مثل Llama و Qwen ببضع أسطر برمجية، ما يخفض كلفة التجربة ويقصر المسافة بين الأفكار والتطبيق. وكانت الرسالة واضحة: بدل مطاردة نموذج عملاق جديد أو إعادة إنتاج روبوت دردشة آخر، تراهن Thinking Machines على طبقة الأدوات التي تمكّن الآخرين من البناء بسرعة وكفاءة، وتفتح المجال أمام استخدامات مؤسسية تتطلّب ضبطًا دقيقًا وامتثالًا وحماية للبيانات.

الحفاظ على المواهب

واجه هذا المسار اختبار الاستقلالية مبكرًا. وفق تقارير صحفية، حاولت إحدى كبريات شركات التقنية استقطاب موظفي Thinking Machines بعروض مالية غير مسبوقة وصلت في بعض الحالات إلى مليار دولار وأكثر للفرد على عدة سنوات.

لم يغادر أحد. وفي قطاع سريع التغيّر كالذكاء الاصطناعي، يُقرأ هذا الموقف كتعبير عن ثقة الفريق في ما يبنيه، وعن قدرة موراتِي على تثبيت بوصلة الشركة في وجه ضغوط الاستحواذ على المواهب.

من زاوية الاستثمار الجريء، تضع موراتِي أطروحة عملية تُنقل من خلال المنتج والفريق والسوق.

  • المنتج: أدوات تخصيص فوق نماذج مفتوحة، تُقلّص زمن التجربة وتكلفة التشغيل وتزيد ملاءمة الحلول لبيئات العمل.
  • الفريق: خبرة بحثية وهندسية مركّزة ومتماسكة، قادرة على تحويل المعرفة إلى منصات قابلة للاستخدام.
  • السوق: طلب متنامٍ من مؤسسات تريد الاستفادة من قدرات متقدمة دون الالتزام ببنية تحتية ثقيلة أو الاعتماد الكامل على منصات مغلقة. وصيغة شركة المنفعة العامة تضيف طبقة موثوقية في زمن يتزايد فيه التدقيق التنظيمي ومتطلبات الخصوصية.

اليوم، تبدو Thinking Machines Lab بقيادة ميرا موراتِي مثالًا لشركة تختار طريقًا مختلفًا: تركّز على توسيع الوصول بدل احتكار القدرات، وعلى أدوات عملية تعطي فرقًا صغيرة ومتوسطة قدرة حقيقية على البناء.

وإذا صحّ هذا الرهان، فسيكون أثره أبعد من إطلاق منتج ناجح؛ إذ يعيد رسم العلاقة بين المختبر والسوق، ويُدخل الذكاء الاصطناعي إلى مساحات أوسع بطريقة متوازنة بين السرعة والمسؤولية.

بهذه المقاربة، تواصل موراتِي كتابة فصل هادئ وواضح في قصة التحوّل التقني، فصل يُقاس بما يتيحه للآخرين من قدرة على البناء، لا بما يستعرضه من ضجيج إعلامي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
✨ اسأل جولة AI
Jawlah AI
مرحباً! كيف يمكنني مساعدتك اليوم؟
×