
شهد نموذج «اشترِ الآن وادفع لاحقًا» (BNPL) في السعودية خلال عام 2024 انتقالًا واضحًا من مرحلة التبنّي السريع إلى مرحلة النضج التشغيلي. تكشف بيانات فنتك السعودية عن قفزات في مؤشرات الاستخدام والانتشار لدى التجار، مع تفوق محلي على وتيرة النمو العالمية.
يعكس ذلك جاهزية البنية التحتية للمدفوعات في المملكة، ودور التنظيم الاستباقي، وتطوّر قدرات اللاعبين في إدارة الائتمان والتحصيل.
حجم السوق واتجاهاته
سجلت القيمة الإجمالية للسلع المباعة عبر نموذج BNPL نحو 36.6 مليار ريال بزيادة 38% على أساس سنوي، فيما ارتفعت قيمة دفعات الأقساط إلى 24.8 مليار ريال بنمو 164%.
وعلى مستوى النشاط التشغيلي، زاد عدد معاملات الشراء عبر BNPL بنسبة 49% ليبلغ 64.6 مليون عملية، وقفز عدد دفعات الأقساط 240% مسجلًا 144.8 مليون دفعة.
هذه الفجوة بين نمو القيمة ونمو الأقساط تعكس زيادة كثافة الخدمة لكل معاملة، وفترات سداد أقصر، وحجم سلات مشتريات أصغر وأكثر تكرارًا. كما تضاعف تقريبًا عدد التجار المتعاقدين إلى 121 ألف تاجر (+106%)، ما يدل على تغلغل الخدمة أفقيًا عبر فئات واسعة من التجزئة.
الجدير بالذكر أن نمو القيمة الإجمالية للبضائع (GMV) محليًا (+38%) تجاوز النمو العالمي المقدر بحوالي 18% في إنفاق BNPL، وهو مؤشر على ديناميكية السوق السعودي في هذا القطاع.
دلالات النضج التشغيلي
تُظهر المؤشرات انتقال الشركات من التركيز على الاستحواذ السريع إلى تحسين جودة الإيرادات وإدارة المخاطر. وتعكس القفزة الكبيرة في عدد الدفعات بناء محركات قرار ائتماني أكثر دقة، وتبني تحليلات سلوكية لتسعير المخاطر وحدود الائتمان.
كما يتوسع حضور BNPL من التجارة الإلكترونية إلى نقاط البيع الفعلية عبر تكاملات مع مزودي حلول الدفع، بما يخلق قناة هجينة «أونلاين وأوفلاين».
كذلك تتسع حالات الاستخدام تدريجيًا لتشمل مجالات تتطلب خطط دفع مرنة مثل الخدمات المنزلية والتعليم والصحة الاختيارية، ما يخفف من تركّز المخاطر ويزيد استقرار الإيرادات.
أداء اللاعبين المحليين
خلال النصف الأول 2025، رسّخت شركتا تابي وتمارا حضورهما بتحقيق أرباح صافية قدرها نحو 90 مليون ريال و64 مليون ريال على التوالي، في وقت لا تزال فيه شركات عالمية بارزة – مثل كلارنا (السويد) – تواجه ضغوط الربحية.
كما حصلت تمارا على موافقة البنك المركزي السعودي (ساما) لمزاولة التمويل الاستهلاكي في العام الماضي ، بما يتيح مرونة أعلى وفترات سداد قد تصل إلى 12 شهرًا.
العوامل المُمكّنة للنمو
اعتمد تسارع BNPL على ثلاثة ركائز:
- أولًا، البيئة التنظيمية النشطة بقيادة البنك المركزي السعودي (ساما) وجهات الإشراف الأخرى التي تحافظ على توازن الابتكار وإدارة المخاطر، ما يعزز ثقة السوق.
- ثانيًا، بنية مدفوعات متقدمة تجلّت في نمو قوي لبوابات الدفع الإلكترونية وكثافة أجهزة نقاط البيع التي تجاوزت مليوني جهاز، وهو ما سهل انتشار الخدمة عبر القنوات.
- ثالثًا، استمرار الاهتمام الاستثماري بالمرحلة المبكرة رغم تراجع إجمالي القيم المعلنة في 2024، مع لجوء الشركات إلى قنوات تمويل متنوعة وشراكات أعمق مع كبار التجار.
التحديات والمخاطر
رغم الزخم، يواجه القطاع اختبارات متزايدة في جودة المحفظة الائتمانية. فارتفاع وتيرة الأقساط يتطلب مراقبة لصيقة لنسب التعثر والتمديد، وتفعيل ضوابط تمنع تراكم الالتزامات على المستهلكين.
كما يبرز تحدي اقتصاديات الوحدة في ظل منافسة سعرية وضغط على هوامش رسوم التجار وتكلفة رأس المال. وتبقى متطلبات الامتثال وحماية المستهلك محورية لضمان الشفافية في الشروط والإفصاحات، وإدارة فعّالة للنزاعات والاسترجاعات بما يحافظ على الثقة.
قد يهمك | أبرز شركات الـ FinTech في الوطن العربي
فرص الاستثمار والابتكار
تظهر إمكانات واضحة في تصميم منتجات BNPL عمودية لقطاعات عالية القيمة ومتكررة الاستخدام مثل الرعاية الصحية والتعليم والسفر.
كما تبدو فرص قوية في البنية التحتية الائتمانية: محركات اتخاذ قرار لحظية، وتحليلات مخاطر مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وحلول مكافحة احتيال لحظية.
على جانب التاجر، تبرز أدوات تحسين التحويل في صفحة الدفع ولوحات قياس أثر BNPL على متوسط قيمة السلة، وقيمة عمر العميل، ومعدلات التكرار.
ومن زاوية التمويل، يمكن للشركات تخفيض تكلفة رأس المال عبر توريق محافظ الأقساط، أو شراكات تمويل مؤسسية، أو أدوات دين قصيرة الأجل.
ماذا ينتظرنا في 2025؟
سيكون رصد نسب التعثر وصافي الدخل لكل عميل عاملًا حاسمًا لقياس جودة النمو وربحية الوحدة. كما أن معدلات الاحتفاظ وتكرار الشراء ستكشف مدى ترسّخ BNPL في سلوك المستهلك المالي.
وسيُعد مدى اختراق نقاط البيع التقليدية مؤشرًا على انتقال الخدمة من نطاق رقمي بحت إلى حضور قنوات متعددة. كذلك، ستؤثر أي تحديثات تنظيمية تتعلق بحدود الائتمان ورأس المال ومعايير حماية المستهلك على وتيرة التوسّع واستدامته.
خلاصة «جولة»
أكّد عام 2024 أن نموذج اشتر الآن وادفع لاحقًا (BNPL) في السعودية لم يعد «ميزة دفع إضافية»، بل أصبح جزءًا من البنية التحتية التجارية التي تعيد تشكيل تجربة الشراء والتمويل الاستهلاكي.
الأرقام لافتة:
- القيمة الإجمالية للبضائع (GMV): نحو 36.6 مليار ريال
- 121 ألف تاجر
- 144.8 مليون دفعة أقساط
غير أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا لمدى قدرة اللاعبين في السوق على المواءمة بين النمو وضبط المخاطر، وتعميق الشراكات، وخفض تكلفة رأس المال. من ينجح في هذه المعادلة سيكون الأقرب لقيادة موجة القيمة التالية في 2025 وما بعدها.
للاطلاع على آخر أخبار الاستثمار الجريء، تابع جولة على إكس أو لينكدإن.



