
لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي في أروقة المؤسسات الإعلامية ترف تقني أو مجرد محاولة لمواكبة الترند، بل تحول إلى ركيزة وجودية تُعيد تشكيل نماذج الأعمال برمتها.
فبحسب تقرير صادر عن الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» في نوفمبر 2024، باتت هذه التقنيات المحرك الخفي لنمو الإيرادات وضمان كفاءة التشغيل، حيث ترى 75% من دور النشر أن الذكاء الاصطناعي هو حجر الزاوية لنجاح واستمرار أعمالهم في المستقبل القريب.
الخوارزميات تتحول إلى مدير مبيعات
تتجلى القيمة الحقيقية لهذا التحول عند النظر إلى العائد على الاستثمار (ROI) في كبرى المؤسسات العالمية.
فصحيفة «نيويورك تايمز» لم تكتفِ بالتحول الرقمي التقليدي، بل طورت نظام للتوصيات قائم على تعلم الآلة يقرأ «سياق» المقالات بدلاً من الاعتماد على العلامات الوصفية (Tags).
النتيجة لم تكن مجرد تحسين تقني، بل تُرجمت مالياً إلى نمو في الإيرادات بنسبة 11% (ما يعادل 9.6 مليون دولار) خلال عام واحد فقط، مدفوعاً بزيادة معدل النقر على المقالات بنسبة 55%، مما يثبت أن فهم سلوك المستخدم عبر الذكاء الاصطناعي هو الطريق الأقصر لزيادة الاشتراكات المدفوعة.
وفي زاوية أخرى من مشهد المنافسة الشرسة، استخدمت Netflix الذكاء الاصطناعي كسلاح دفاعي وهجومي في آن واحد؛ فهي لا تستخدمه فقط لتقديم توصيات مخصصة تبقي المشتركين ملتصقين بالشاشة، بل توظفه لضبط جودة البث لحظياً عبر تقنيات التكيف (Adaptive Bitrate) بناءً على سرعة الإنترنت.
مما ساهم في خفض معدلات إلغاء الاشتراكات ورفع رضا العملاء، وهو ما يعد العملة الأهم في اقتصاد الاشتراكات.
ذو صلة | شركة ذكاء اصطناعي ناشئة تجمع 75 مليون دولار لأتمتة المهام الروتينية في القطاع المصرفي
الكفاءة التشغيلية: المزيد بموارد أقل
ينقل التقرير الصورة من واجهة المستخدم إلى العمليات الخلفية، حيث أحدثت الأتمتة ثورة في توفير التكاليف والوقت.
ولعل تجربة دار النشر الأكاديمي Sage Publishing خير دليل، إذ تمكنت عبر استخدام منصة «Jasper» من تسريع عمليات إنشاء المحتوى بنسبة مذهلة بلغت 99%، وتقليص الوقت المستغرق في الترجمة لفريق التسويق بنصف المدة، مما سمح لها بالتوسع في أسواق جديدة مثل آسيا والمحيط الهادئ دون الحاجة لجيش من الموظفين الجدد.
وعلى صعيد سوق الإعلانات الرقمية، استطاعت وكالة «Manzoni» الإيطالية قلب الموازين عبر التخلي عن الاستهداف التقليدي واللجوء لتحليل البيانات الدقيق، حيث صنفت جمهورها إلى 180 شريحة دقيقة للغاية.
هذا التوجه القائم على البيانات ضاعف دقة توقعاتها مرتين (2X)، ومكّنها من تبرير رفع أسعار خدماتها الإعلانية للعملاء، مقدمة نموذج لكيفية تحويل البيانات الخام إلى أصول مالية مدرة للدخل.
الرؤية الوطنية
محلياً، لا تقف المملكة موقف المتفرج أمام هذه الموجة التقنية. فقد كشف التقرير عن خطوات استباقية تمثلت في إطلاق «مركز التميز للذكاء الاصطناعي في الإعلام» بشراكة استراتيجية بين وزارة الإعلام وسدايا.
وبدأ هذا الكيان بالفعل في بناء الأصول الرقمية الوطنية عبر جمع 104 آلاف صورة لتدريب الخوارزميات، وتطوير نماذج أولية لترجمة لغة الإشارة وترميم الأرشيف التاريخي.
وإدراكاً للمخاطر التي قد تهدد موثوقية قطاع الإعلام، وازنت «سدايا» بين الابتكار والحوكمة عبر إطلاق «وثيقة مبادئ التزييف العميق»، لتضع أطر تنظيمية تحمي خصوصية البيانات وتضمن الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات القوية، في خطوة لطمأنة المستثمرين والمستخدمين على حد سواء.
استشراف المستقبل
يخلص التقرير إلى أن القطاع مقبل على نضج تقني متسارع؛ فمن المتوقع أن تعتمد 28% من الشركات الإعلامية على الذكاء الاصطناعي لتخصيص المحتوى، بينما سيتجه 20% منهم لتوظيفه بشكل مباشر في تحسين عوائد الإعلانات.
تؤكد هذه المؤشرات أن دمج الذكاء الاصطناعي في الإعلام لم يعد خيار ترفيهي، بل ضرورة حتمية للمنافسة والبقاء في سوق الإعلام المتغير.
للاطلاع على آخر أخبار الاستثمار الجريء، تابع جولة على إكس أو لينكدإن.



