
في أحدث حلقة من بودكاست Equity على TechCrunch، استضافت المنصة بريندان فودي، الرئيس التنفيذي لشركة Mercor، ليكشف رؤيته حول كيفية إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي للعمل؛ ليس فقط في المهام التي ننفذها، بل في الأشخاص الذين سيقومون بها وما هي المهارات المطلوبة في المستقبل.
في حوار مدته نحو 25 دقيقة، تناول فودي—الذي يقود شركة أصبحت تُقدر بـ 10 مليارات دولار—التغيرات الجوهرية التي تحدثها تقنيات الذكاء الاصطناعي في سوق العمل العالمي، وكيف تتطور الحاجة إلى المواهب والقدرات البشرية في زمن الأتمتة والتعلّم الآلي.
Mercor: وسيط جديد في اقتصاد الذكاء الاصطناعي
تأسست Mercor في عام 2023 في Silicon Valley، وسرعان ما تحولت إلى منصة تربط أصحاب الخبرة العالية بشركات الذكاء الاصطناعي مثل OpenAI وAnthropic، عبر شبكة من المقاولين المهرة الذين يساهمون في تدريب النماذج الذكية وتحسين جودتها.
وتعمل الشركة بنموذج فريد يتمثل في:
- تجنيد خبراء من مجالات مثل الاستشارات، التمويل، القانون، والرعاية الصحية
- الدفع لهؤلاء الخبراء مقابل مشاركتهم خبراتهم للمساهمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي
- توظيف المعرفة البشرية لتحسين نتائج الذكاء الاصطناعي بدل الاعتماد فقط على بيانات غير متخصصة أو العمل الجماهيري المنخفض الجودة
في الكثير من الحالات، يحصل هؤلاء الخبراء على أجور تصل إلى 200 دولار في الساعة مقابل مشاركتهم في تدريب الأنظمة الذكية، مما يعكس قيمة المعرفة المتخصصة في عملية بناء الذكاء الاصطناعي.
من يقدّم القيمة الحقيقية في اقتصاد الذكاء الاصطناعي؟
أحد أبرز ما قاله فودي في الحوار هو أن أعلى 10–20% من المتخصصين هم من يقودون الجزء الأكبر من تحسينات النماذج الذكية، وليس العمالة الجماهيرية أو بيانات “هامشية”.
هذا يعني أن الطلب لن يكون عامًا على كل قوة عاملة، بل مركزًا بشكل متزايد على المهارات العالية والخبرة المتخصصة التي لا يمكن استبدالها بسهولة بواسطة التقنية فقط.
وهذا يعيد رسم خريطة العمل في الاقتصاد الذكي: إذ لم يعد العمل مجرد تنفيذ مهام، بل مشاركة معرفية عالية التأثير تساعد الذكاء الاصطناعي على أن يتعلم ويفهم صناع القرار والعاملين في قطاعات متعددة.
الحدود الرمادية بين المعرفة والسرية المؤسسية
أشار فودي أيضًا إلى وجود مساحة رمادية بين المعرفة الخاصة التي يمتلكها الموظفون والأسرار التجارية للشركات التي عملوا فيها سابقًا، خاصة عندما يتم استدعاء خبراتهم لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.
فهذا يطرح تساؤلات مهمة حول:
- حماية الملكية الفكرية
- حدود مشاركة الخبرة عند تدريب الذكاء الاصطناعي
- الاستفادة من معرفة بشرية ثمينة دون الإخلال بالاتفاقيات المهنية
هذه النقطة تصبّ في صميم النقاش العالمي حول كيفية تصميم أنظمة ذكية مسؤولة تحترم الأطر القانونية والأخلاقية.
الذكاء الاصطناعي قد يحول كل عمل إلى بيانات تدريب
في رؤية فودي المستقبلية، تتجه القوة العاملة نحو أن يصبح كل عمل معرفيًا تقريبًا مصدرًا لبيانات تدريب — أي أن ما نفعله في العمل نفسه سيُستخدم لتغذية وتحسين الأنظمة الذكية، ما يقود إلى تحول جذري في مفهوم “العمل” ذاته.
هذا السرد يتسنّى تفسيره بطريقتين:
- الذكاء الاصطناعي كأداة تعزّز قدرات الإنسان وتساعده في أداء مهامه بشكل أسرع وأكثر دقة (مدعومًا بأدبيات أكاديمية مثل مفهوم blended work حيث تتكامل الأدوار البشرية والذكاء الاصطناعي).
- الذكاء الاصطناعي كقوة تُعيد تعريف سوق العمل بحيث تتحول الوظائف التقليدية إلى أنشطة تدريب وتوجيه للنظم الذكية بدل تنفيذ مباشر للمهام.
في كلا الحالتين، العامل البشري لا يختفي… لكنه يتحوّل إلى مزوّد معرفة وخبرة بدلاً من أن يكون منفذًا تقليديًا فقط.
التأثيرات على سوق العمل في مختلف الصناعات
تستشرف هذه الرؤية تحدّيات وفرصًا في آن واحد:
- التحدي الأكبر: القدرة على مواكبة تطوّر المهارات المطلوبة، ما يعني أن الموظفين يحتاجون إلى إعادة هيكلة مهاراتهم وتعلّم طرق العمل مع الذكاء الاصطناعي.
- الفرصة الكبرى: فتح أبواب لمهارات جديدة — مثل تصميم وتدريب الذكاء الاصطناعي — لا تقتصر على البرمجة فحسب، بل تشمل الخبرة المتخصصة في مجالات متعددة مثل القانون، الطب، المالية، والهندسة.
وهذا يعني أن سوق العمل القائم على المعرفة المتعمقة سيكون هو الفائز في السباق القادم.
خلاصة جولة
الحوار مع CEO Mercor يضعنا أمام حقيقة جوهرية:
الذكاء الاصطناعي لا يغيّر فقط ما نفعله في العمل، بل من يفعل العمل وكيف يتأثر السوق الوظيفي بالمهارات والقدرات.
في اقتصاد متسارع نحو التعلم الذاتي للآلات، تصبح المعرفة عالية القيمة هي العنصر الاستراتيجي الذي يميّز القوى البشرية القادرة على توجيه الذكاء الاصطناعي، وليس مجرد استخدامها.
في 2026، العمل لا يختفي…
لكن طريقة قيامنا به ومَن يقوم به سيتغيران بصورة جذرية.



