
في مقابلة مع Bloomberg على هامش معرض CES في لاس فيغاس، قدّم Hemant Taneja، الرئيس التنفيذي والشريك الإداري لشركة General Catalyst، قراءة عميقة لمشهد الذكاء الاصطناعي من منظور رأس المال الجريء، متناولًا ثلاثة محاور رئيسية: تبنّي المستهلك، التقييمات، ومستقبل التنظيم.
بحكم إدارة محفظة تضم أكثر من 900 شركة، يرى تانيجا أن ما يحدث اليوم في الذكاء الاصطناعي يشبه لحظات التحول الكبرى التي شهدها العالم مع ظهور الموبايل والسوشيال ميديا قبل أكثر من 15 عامًا، لكن مع فارق جوهري: المرحلة الأولى كانت بنية تحتية ومؤسسات، أما الآن فنحن على أعتاب موجة استهلاكية حقيقية.
من هيمنة الشركات إلى صحوة المستهلك
يشير تانيجا إلى أن معظم الابتكار خلال السنوات الماضية تركز على تبنّي الذكاء الاصطناعي داخل الشركات والبنية التحتية، حيث كان لابد أن “تنضج النماذج” قبل أن تصبح جاهزة للاستخدام اليومي. لكن هذا الوضع بدأ يتغير.
اليوم، يرى المؤسسون يسألون سؤالًا مختلفًا:
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل حياة المستهلك أفضل يوميًا؟
من إعادة التفكير في السفر، إلى ابتكار نسخة “AI-native” من العلامات التجارية التي بُنيت خلال آخر 15 عامًا، يعتقد تانيجا أننا أمام نهضة جديدة في الشركات الاستهلاكية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي.
التقييمات: مبالغ فيها أم سابقة لزمنها؟
عند سؤاله عن تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي، يصف تانيجا الأمر بأنه “ديناميكية معقدة”. فالسوق اليوم منقسم بين نوعين من الشركات:
مشاريع بحثية ضخمة تُضخ فيها مليارات الدولارات دون وضوح توقيت التحول إلى نموذج أعمال، وشركات تطبيقية تمتلك حالات استخدام واضحة لكنها تحصل على تقييمات تبدو “استثنائية”.
وجهة نظره ليست أن التقييمات صحيحة أو خاطئة بالضرورة، بل أن السرعة الهائلة في التقدم التقني تجعل بعض الشركات تنمو داخل تقييماتها بسرعة غير مسبوقة. المشكلة الحقيقية في رأيه ليست الإيرادات الحالية، بل سؤال أكثر عمقًا:
هل ستكون هذه الشركات “قابلة للاستمرار” عندما تصبح النماذج الأساسية أكثر ذكاءً وقادرة على تنفيذ نفس الوظائف بنفسها؟
من يملك الاستمرارية في عالم تتسارع فيه النماذج؟
يركز تانيجا على مفهوم “الاستدامة” أو Durability، معتبرًا أن الشركات القوية هي تلك التي لا تعتمد فقط على النموذج، بل تبني طبقة استخدام حقيقية فوقه. ويضرب مثالًا بشركات أعادت تعريف أقسام كاملة داخل المؤسسات، مثل هندسة البرمجيات، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي يكتب جزءًا كبيرًا من الكود، ما يغيّر حجم السوق وطبيعة الإنفاق على الأدوات والفرق البشرية.
من وجهة نظره، هذه ليست تحسينات تدريجية، بل تحولات هيكلية في طريقة بناء المنتجات والشركات.
الاكتتابات والانتقال إلى العامة: متى يصبح الوقت مناسبًا؟
فيما يتعلق بسؤال طرح شركات الذكاء الاصطناعي للاكتتاب العام، يرى تانيجا أن القرار يجب أن يكون مرتبطًا بالقدرة على التنبؤ والاستقرار، وليس فقط بالحجم أو الطموح. التحدي أن السوق نفسه يتغير بسرعة، ما يجعل التوقعات أقل دقة من أي وقت مضى.
ويضرب مثالًا بتجارب استثمارية سابقة حيث بدت التقييمات مرتفعة وقتها، لكنها بدت “صفقات رائعة” بعد أن نما الأداء بأضعاف التوقعات خلال فترة قصيرة.
التنظيم: بين الحقيقة والفوضى
في الجزء الأخير من الحوار، ينتقل النقاش إلى التنظيم، خصوصًا في مجالات مثل أسواق التنبؤ والمعلومات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي. يرى تانيجا أن العالم يدخل مرحلة “الغرب المتوحش” تنظيميًا، لكن في الوقت نفسه هناك حاجة حقيقية لأدوات تساعد على فهم الحقيقة بشكل إحصائي وجماعي في عالم تغمره المعلومات.
التنظيم – من وجهة نظره – يجب ألا يخنق الابتكار، بل يركّز على كيفية انتقال المعلومات، وحماية الفهم العام للحقيقة، مع الإقرار بأن هذا التوازن لا يزال في طور التشكل.
خلاصة جولة
رسالة Hemant Taneja الأساسية واضحة:
الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد موجة تقنية، بل إعادة تشكيل شاملة للاقتصاد، وسوق العمل، ونموذج بناء الشركات. المرحلة القادمة لن تُقاس فقط بمن يبني النموذج الأقوى، بل بمن ينجح في تحويل هذه القوة إلى استخدامات دائمة، مؤثرة، وقابلة للتوسع في عالم سريع التغير.



