
رغم الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل حول العالم، تكشف دراسة حديثة أجرتها شركة Workday أن الصورة أقل تفاؤلًا مما تبدو عليه. فبينما يؤكد معظم الموظفين أن الذكاء الاصطناعي يساعدهم على توفير ساعات من العمل أسبوعيًا، يتضح أن جزءًا كبيرًا من هذا الوقت لا يتحول إلى إنتاجية حقيقية، بل يُستهلك في مراجعة وتصحيح الأخطاء التي تنتجها هذه الأدوات.
الدراسة، التي أُجريت بالتعاون مع Hanover Research، اعتمدت على استطلاع آراء أكثر من 3,200 موظف بدوام كامل في شركات كبيرة حول العالم، وركزت على قياس التأثير الفعلي للذكاء الاصطناعي على الأداء اليومي داخل المؤسسات، لا على الوعود النظرية للتقنية.
النتائج تشير إلى أن نحو 85% من الموظفين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي لتوفير ما بين ساعة إلى سبع ساعات أسبوعيًا. لكن المفارقة أن ما يقرب من 40% من هذا الوقت الموفَّر يُعاد إنفاقه مرة أخرى في تصحيح مخرجات الذكاء الاصطناعي أو إعادة صياغتها، ما يقلص العائد الحقيقي من استخدام هذه الأدوات.
الأمر لا يتعلق فقط بوجود أخطاء، بل بطبيعة التعامل معها. فحوالي 77% من المستخدمين اليوميين لأدوات الذكاء الاصطناعي أكدوا أنهم يراجعون نتائجها بنفس مستوى التدقيق الذي يطبقونه على عمل بشري، وهو ما يعكس فجوة واضحة في الثقة، ويشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يصل بعد إلى مرحلة الاعتماد الكامل داخل بيئات العمل الحساسة.
الأكثر لفتًا للنظر أن نسبة الموظفين الذين أفادوا بتحقيق نتائج إيجابية واضحة ومستدامة من استخدام الذكاء الاصطناعي لم تتجاوز 14%. هذه النسبة المنخفضة تطرح تساؤلات حول الفجوة بين التوقعات العالية التي صاحبت موجة الذكاء الاصطناعي، والواقع العملي داخل الشركات.
من جهة أخرى، تكشف الدراسة عن خلل واضح بين رؤية القيادات التنفيذية وتجربة الموظفين الفعلية. فبينما يرى 66% من القادة أن تدريب الموظفين على استخدام الذكاء الاصطناعي يمثل أولوية استراتيجية، فإن 37% فقط من الموظفين الذين يواجهون أخطاء متكررة في مخرجات الذكاء الاصطناعي أكدوا حصولهم على تدريب كافٍ. هذه الفجوة تفسر جزئيًا سبب تراجع العائد المتوقع من تبني التقنية.
تشير نتائج Workday إلى أن المشكلة لا تكمن في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في طريقة دمجه داخل المؤسسات. فالعديد من الشركات سارعت إلى اعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي دون إعادة تصميم الأدوار الوظيفية أو تحديث أساليب العمل بما يتناسب مع قدرات وحدود هذه التقنية. وبدون هذا التكيّف، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة لتسريع العمل إلى عبء إضافي يتطلب مراجعة مستمرة.
كما تُظهر الدراسة أن الذكاء الاصطناعي لا يعمل بكفاءة متساوية في جميع السياقات. فالمهام التي تعتمد على الإبداع، أو القرارات المعقدة، أو السياق الإنساني العميق، لا تزال تتطلب إشرافًا بشريًا مكثفًا، ما يقلل من الوفر الزمني المتوقع. في المقابل، تحقق الأدوات أفضل نتائجها عندما تُستخدم في مهام محددة وواضحة، مع أطر عمل وتنظيم صارم للمدخلات والمخرجات.
تعكس هذه النتائج مرحلة انتقالية يمر بها الذكاء الاصطناعي داخل سوق العمل. فبعد مرحلة الحماس الأولى، بدأت المؤسسات تكتشف أن القيمة الحقيقية لا تتحقق بمجرد إضافة أداة جديدة، بل من خلال الاستثمار في التدريب، وإعادة تعريف المهارات، وبناء ثقافة عمل تفهم متى يُستخدم الذكاء الاصطناعي، ومتى يجب الاعتماد على الخبرة البشرية.
في النهاية، توضح دراسة Workday أن الذكاء الاصطناعي ليس اختصارًا تلقائيًا للإنتاجية، بل أداة تحتاج إلى نضج تنظيمي كي تُحدث فرقًا حقيقيًا. ومع تسارع تبني هذه التقنيات عالميًا، سيكون التحدي الأكبر أمام الشركات هو تحويل الوقت “الموفَّر نظريًا” إلى قيمة فعلية، بدلًا من أن يضيع في حل مشكلات كان من المفترض ألا توجد من الأساس.



