
شهدت المملكة العربية السعودية تطورًا تشريعيًا ملحوظًا في تنظيم الأدوات التمويلية الحديثة (التقنية المالية)، وذلك في إطار سعيها إلى تنويع مصادر التمويل للمنشآت، وتعزيز الابتكار في القطاع المالي، وتمكين قطاع التمويل من تلبية الاحتياجات التمويلية بيسر وسهولة، وذلك بما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة العربية السعودية 2030.
يُعد التمويل الجماعي من أبرز هذه الأدوات، حيث برز بنموذجين رئيسيين هما التمويل الجماعي بالملكية والتمويل الجماعي بالدين.
وقد تعاملت الجهات التنظيمية في المملكة مع كل نموذج بإطار تنظيمي مستقل، يعكس الطبيعية القانونية والمخاطر ويحقق التوازن بتمكين الكيانات وتنوع مصادر الاستثمار والادخار وحماية المستثمرين.
البيئة التشريعية
اعتمد المشرع السعودي للتمويل الجماعي على الفصل التشريعي بين النموذجين، فالتمويل الجماعي بالدين يخضع لإشراف البنك المركزي السعودي، وذلك باعتباره نشاطًا تمويليًا، وصدر بشأنه إطار تنظيمي مستقل تحت مسمى «قواعد ممارسة نشاط التمويل الجماعي بالدين»، والتي تناولت الموضوعات الرئيسة مثل متطلبات الترخيص، والتنظيم الداخلي، وممارسة النشاط، والإشراف والالتزام ومتطلبات تنظيمية أخرى.
أما التمويل الجماعي بالملكية، فيخضع لإشراف هيئة السوق المالية السعودية لكونه يتضمن طرحاً لأوراق مالية، وقد نُظم من خلال دمجه ضمن لوائح الهيئة القائمة وبوجه الخصوص لائحة مؤسسات السوق المالية وقواعد طرح الأوراق المالية والالتزامات المستمرة، وذلك باعتباره نوعًا من الطرح المستثنى الخاضع لشروط وضوابط خاصة.
النشأة
بدأ تنظيم التمويل الجماعي بالملكية في المملكة تدريجيًا من خلال مختبر التقنية المالية ثم انتقل إلى مرحلة التنظيم، وذلك عبر إصدار الإطار التنظيمي للتمويل الجماعي بالملكية، ودمجه لاحقًا ضمن لوائح هيئة السوق المالية.
وانطلق التمويل الجماعي بالدين بتنظيم مباشر ومستقل من البنك المركزي السعودي، عبر إصدار قواعد خاصة تحكم النشاط في جميع مراحله، وتهدف لحماية طالبي التمويل والمستثمرين من خلال وضع قيود محددة لشركات التمويل الجماعي بالدين، وذلك نظرًا لارتباطه المباشر بالاستقرار المالي، وما يترتب عليه من مخاطر تستوجب رقابة تنظيمية دقيقة منذ بداية النشاط.
أساس العلاقة
تختلف العلاقة القانونية باختلاف نموذج التمويل، ويترتب على ذلك اختلاف جوهري في الحقوق والالتزامات والمخاطر، ففي التمويل الجماعي بالملكية، تقوم العلاقة القانونية على أساس الشراكة، حيث يحصل المستثمر على حصة ملكية في الشركة المصدرة للأسهم، ويخضع لحقوق والتزامات المساهمين وفق أحكام نظام الشركات وقواعد السوق المالية.
ويشارك المستثمر في الأرباح والخسائر، دون ضمان لاسترداد رأس المال، وتكون المخاطر مرتبطة بأداء الشركة.
وفي التمويل الجماعي بالدين، فتقوم العلاقة القانونية على أساس الدائن والمدين، حيث يقدّم المستثمر التمويل إلى طالب التمويل مقابل عائد متفق عليه، مع التزام طالب التمويل بسداد أصل المبلغ وفق شروط عقد التمويل.
ولا يترتب على هذه العلاقة أي حق للمستثمر في ملكية المنشأة أو إدارتها.
حدود الاستثمار
حرص المنظم السعودي على سن ضوابط واضحة لحماية المستثمرين في أنشطة التمويل الجماعي، حيث حدد سقف الاستثمار في الفرصة الواحدة ضمن التمويل الجماعي بالملكية.
وفي التمويل الجماعي بالدين، لا يُسمح للمستثمر بالمشاركة بأكثر من 25% من إجمالي قيمة التمويل المطلوب لكل فرصة، كما وضع حد أعلى لإجمالي التمويلات القائمة للمستثمر غير المؤهل عبر جميع الفرص المتاحة.
تجدر الإشارة إلى أن هذه الضوابط لا تشمل المستثمرين المؤهلين في كلا النوعين من التمويل.
جمع الأموال
حُدد الحد الأعلى لجمع الأموال من خلال التمويل الجماعي بالملكية بمبلغ 10,000,000 ريال خلال فترة 12 شهر للمصدر الواحد، ويشمل هذا السقف جميع منصات التمويل الجماعي وأي طرح محدود لنفس المصدر.
كما اشترط المنظّم أن يكون الطرح لأسهم جديدة، وألا تُستخدم متحصلاته في الإقراض أو الاستثمار في كيانات أخرى. وقيدت فترة جمع الأموال لكل فرصة بمدة 45 يوم، وفي حال عدم اكتمال ما نسبته 80% خلال هذه المدة فتلغى الفرصة، وتُعاد الأموال إلى المستثمرين.
وفي التمويل الجماعي بالدين لا يجوز أن يكون التمويل لأغراض استهلاكية، ولا أن يتجاوز إجمالي التمويل الممنوح لطالب التمويل من فئة المنشآت الصغيرة أو المتوسطة مبلغ 7,500,000 ريال.
ومع ذلك، أتاح المنظّم استثناءات تنظيمية لبعض أنواع المنشآت أو في حالات محددة. كما قُيدت فترة جمع الأموال لكل فرصة تمويلية بمدة 60 يوم، وفي حال عدم اكتمال المبلغ خلال هذه المدة تُلغى الحملة وتُعاد الأموال إلى المستثمرين.
خاتمة
انتهج المشرع السعودي نهجًا تشريعيًا دقيقًا في تنظيم التمويل الجماعي، قائمًا على التمييز الواضح بين التمويل القائم على الملكية والتمويل القائم على الدين، بحيث يُنظَّم كل نموذج ضمن إطار تنظيمي يتلاءم مع طبيعته القانونية ومستوى المخاطر المرتبطة به.
وقد أسهم هذا التنظيم في إيجاد توازن بين تمكين المنشآت من الوصول إلى مصادر تمويل بديلة وتعزيز الابتكار المالي من جهة، وحماية المستثمرين والحفاظ على استقرار السوق المالية من جهة أخرى.
ويعكس هذا النهج تطور البيئة التنظيمية في المملكة العربية السعودية وقدرتها على استيعاب الأدوات التمويلية الحديثة ضمن إطار تنظيمي منضبط يدعم النمو الاقتصادي المستدام ويُمكن كافة قطاعات للحصول على احتياجاتهم التمويلية بيسر وسهولة.
للكاتب/ راكان الراضي
محامي ومهتم بقطاع التقنية المالية والتمويل والبنوك
لديك مقال مهم تود نشره لجمهور واسع من المهتمين بريادة الأعمال والاستثمار الجريء؟ تواصل معنا الآن >



