
يتقدم الذكاء الاصطناعي بخطى ثابتة إلى قلب قرارات الشركات الناشئة، من طريقة العمل اليومية إلى كيفية بناء الفرق. وفي دراسة شملت 1500 مؤسس في المراحل المبكرة، أشارت إلى أن أكثر من 70% يرفعون إنفاقهم على أدوات الذكاء الاصطناعي والأتمتة. هذا الاتجاه لا يتعلق بالضجة الإعلامية حاليًا حول هذه التقنية، بل برغبة واضحة في مضاعفة الإنتاجية دون تضخم في عدد الموظفين.
جون ديري، رئيس مركز ريادة الأعمال الأمريكي، ينقل ملاحظات مباشرة من لقاءات يعقدها مع مؤسسين في أنحاء الولايات المتحدة. خلاصتها أن الأعمال التي تستهلك وقتًا وطاقة بشرية كبيرة – مثل المبيعات والتسويق والعمليات – أصبحت قابلة للتبسيط عبر أدوات ذكية تمنح الفرق الصغيرة سعة إضافية.
كما تذكر كارولين بيت، مؤسسة Productions.com، أن أقسامًا أساسية في شركتها تعمل اليوم بمساندة الذكاء الاصطناعي، ما يتيح لفريق محدود العدد إنجاز مهام أكبر. لكن هذا التحسّن له أثر جانبي واضح على فرص الدخول الأولى إلى سوق العمل؛ بعض المهام التي كانت تُسند إلى متدربين أو موظفين مبتدئين أصبحت تنجزها الأنظمة الآلية بكفاءة وتكلفة أقل.
أين يبرز الذكاء الاصطناعي؟
رغم ذلك، لا يقتصر الأثر على تقليص بعض الأدوار. فاستخدام الذكاء الاصطناعي يساعد الشركات على اكتشاف احتياجات جديدة لدى العملاء، ما يفتح مساحات عمل إضافية تتطلب مهارات مختلفة في التصميم والتنفيذ وضبط الجودة. ولهذا تظهر بيانات الدراسة نفسها أن الشركات التي تعتمد الذكاء الاصطناعي توظف أكثر من تلك التي لا تستخدمه. الفكرة بسيطة: ما يتم توفيره في المهام الروتينية يُعاد توجيهه إلى أدوار تحقق قيمة أعلى.
في هذه البيئة، تتغير صورة الموظف الذي تبحث عنه الشركات. المطلوب شخص يمتلك خبرة عملية جيدة ووعيًا بحدود الأدوات وإمكاناتها، ويعرف كيف يربطها بأهداف العمل ويستخلص منها نتائج واضحة. أصبح الدور أقل اعتمادًا على إدارة فرق كبيرة، وأكثر ارتباطًا بإدارة منظومة أدوات متجددة والاستفادة منها. ومع أن الذكاء الاصطناعي يُحسن التوليد والتحليل، تبقى مهارات التفكير الخلّاق والتعامل مع التعقيد والتواصل الإنساني عناصر لا غنى عنها، بل أصبحت أكثر قيمة عندما تُقرن بالقدرة على تشغيل الأدوات بكفاءة.
الصورة لدى الداخلين الجدد إلى سوق العمل ليست سلبية كليًا. فكثير من المؤسسين يرون في الجيل الشاب معرفة عملية بالأدوات الحديثة بحكم الاستخدام اليومي. والفارق بين حضور عابر وكفاءة حقيقية هو القدرة على تحويل هذه الألفة إلى إنتاجية: تصميم سير عمل تُدمج فيها الأدوات، ومراقبة جودة المخرجات، ومواءمة النتائج مع متطلبات المنتج أو العميل. من ينجح في ذلك يختصر وقتًا طويلًا في مسار التطور المهني، ويقترب بسرعة من أدوار أكثر استقلالية وتأثيرًا.
كما أن إيقاع تطوّر الذكاء الاصطناعي السريع – الذي يتبدل على نحو ملحوظ خلال 18 إلى 24 شهرًا – ينعكس على أساليب التوظيف. كثير من المؤسسين يميلون إلى الاعتماد على متعاقدين وخبراء مستقلين لتقليل الالتزامات طويلة الأجل، والوصول إلى مهارات محددة في الوقت المناسب. بهذا النهج، تتعامل الشركات مع خطر تقادم المهارات السريع، وتبقي قدرتها على التبديل بين الأدوات وخطط التنفيذ عالية. ومعه يتوسع دور العمل الحر كخيار مرن يتماشى مع تغيّر المتطلبات التقنية.
قد يهمك | الذكاء الاصطناعي بين الواقع والمبالغة: فقاعة أسعار أم فقاعة مخاطر؟
فوائد الذكاء الاصطناعي لرواد الأعمال والمستثمرين
بالنسبة للمستثمرين ورواد الأعمال، تتلخص الدروس في بناء فرق صغيرة قادرة على التكيف، وتوجيه الإنفاق نحو أدوات قابلة للاستبدال السريع عند الحاجة، وربط استخدام الذكاء الاصطناعي بمعايير قياس واضحة للأثر. فالنجاح في المرحلة المقبلة لن يرتبط بحجم الفريق بقدر ما يرتبط بحسن تصميم العمل حول الأدوات وتوظيف الخبرة البشرية في الأماكن التي تصنع فارقًا حقيقيًا.
الخلاصة أن الذكاء الاصطناعي لا يقلّص سوق العمل بقدر ما يعيد توزيع الأدوار فيه. حيث تقل أهمية المهام المتكررة، وتزداد قيمة الخبرة التي تجمع بين فهم العمل والقدرة على تشغيل الأدوات بكفاءة. وبين هذين الطرفين تظهر فرص جديدة لمن يحولون معرفتهم التقنية إلى نتائج ملموسة يمكن قياسها.
للاطلاع على آخر أخبار الاستثمار الجريء، تابع جولة على إكس أو لينكدإن.



