شهدت الأسواق العالمية طفرة جديدة في نشاط صفقات الاندماج والاستحواذ (M&A) خلال عام 2025، إذ تجاوزت قيمتها الإجمالية 3.5 تريليون دولار حتى نهاية الربع الثالث، مسجلةً نموًا بنسبة 34% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لتصبح هذه السنة واحدة من أقوى الأعوام منذ 2021.
ورغم التحديات الاقتصادية العالمية وتقلبات أسعار الفائدة، كان العامل الأبرز في هذا النمو هو التحرك الاستراتيجي النشط لصناديق الثروة السيادية الخليجية، التي أصبحت في قلب المشهد العالمي للصفقات الكبرى.
هيمنة خليجية على مشهد الاستحواذ العالمي
أوضحت البيانات أن صناديق مثل صندوق أبوظبي للاستثمار (ADIA) وصندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) وجهاز قطر للاستثمار (QIA) تقود موجة توسع غير مسبوقة في الاستحواذات العالمية، مدفوعة برغبة في تنويع مصادر الدخل وتعزيز النفوذ الاقتصادي الدولي.
.
أمثلة على الصفقات الكبرى
من أبرز الصفقات التي شكّلت ملامح هذا الزخم:
- أعلنت شركتا “بلاكستون” و”تي بي جي” عن اتفاق للاستحواذ على شركة الأجهزة الطبية “هولوجيك” مقابل 18.3 مليار دولار شاملة الديون، بمشاركة “جهاز أبوظبي للاستثمار” وصندوق “جي آي سي” السيادي السنغافوري كمستثمرين أقلية.
- في سبتمبر الماضي، وافق “صندوق الاستثمارات العامة” السعودي، على شراء شركة ألعاب الفيديو “إلكترونيك آرتس” وتحويلها إلى شركة خاصة، في صفقة استحواذ بالرافعة المالية بلغت قيمتها 55 مليار دولار، وهي الأكبر من نوعها في التاريخ.
- تعاونت “بلاك روك” مع شركة الذكاء الاصطناعي “إم جي إكس” التابعة لـ”مبادلة للاستثمار”، في صفقة بـ 40 مليار دولار للاستحواذ على “ألايند داتا سنترز”، وقبلها بأسبوع دخلت “كارلايل” في شراكة مع “جهاز قطر” لشراء وحدة الطلاءات التابعة لشركة “باسف” في صفقة قدرت قيمة الوحدة بـ 8.9 مليار دولار.
لماذا الآن؟
يرى محللون أن هذا النشاط يعكس تحولًا في الاستراتيجية الخليجية من الاستثمار السلبي إلى الاستثمار الفعّال، حيث تبحث الصناديق عن التحكم في الأصول عالية النمو في الأسواق العالمية، لا سيما في ظل التغيرات المتسارعة في قطاعات التكنولوجيا والطاقة.
كما تستفيد الصناديق الخليجية من السيولة العالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط خلال النصف الأول من 2025، ما أتاح لها مساحة مالية ضخمة لاقتناص الفرص الاستثمارية بأسعار مغرية، في وقت تتردد فيه بعض المؤسسات الغربية في التوسع بسبب تشديد السياسات النقدية.
انعكاسات على الاقتصاد الخليجي
تتجاوز مكاسب هذه التحركات مجرد العائد المالي.
إذ تسعى الصناديق السيادية إلى نقل الخبرات العالمية إلى الداخل الخليجي، وتوظيفها في تعزيز الاقتصاد المحلي عبر مشاريع مشتركة، مثل دعم التحول الرقمي، والطاقة المستدامة، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية المتقدمة.
كما أن هذا النشاط يعزز مكانة دول الخليج كمراكز مالية عالمية، تدير تريليونات الدولارات وتؤثر في الاتجاهات الاقتصادية الكبرى.
التحول من الإقليمية إلى العالمية
تؤكد البيانات أن ما يجري الآن ليس مجرد موجة مؤقتة، بل تحول هيكلي في دور الصناديق الخليجية داخل النظام المالي العالمي.
فبعد أن كانت تركّز سابقًا على الأصول الآمنة مثل العقارات والأسهم المستقرة، باتت اليوم تستهدف الصفقات عالية النمو وتدخل كشريك استراتيجي في شركات عالمية، لتصبح قوة مالية عالمية جديدة.
وبينما يشهد العالم إعادة رسم لخريطة الاستثمار بعد مرحلة التضخم ورفع الفائدة، تبدو دول الخليج في موقع قيادي، تمتلك المال والرؤية في آنٍ واحد.
خلاصة جولة
ارتفاع صفقات الاستحواذ إلى 3.5 تريليون دولار هو إشارة واضحة إلى أن الاقتصاد الخليجي أصبح لاعبًا رئيسيًا في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.
وبينما تواصل الصناديق السيادية تنويع محافظها والاستثمار في المستقبل، تزداد فرص المنطقة لأن تصبح مركزًا عالميًا لصناعة القرار المالي والاستثماري في العقد القادم.



