
أعلن أمين الإفلاس ماجد بن منير النمر، رسميًا، عن صدور حكم من الدائرة التاسعة في المحكمة التجارية بالرياض، بافتتاح إجراء إعادة التنظيم المالي لشركة «المتاجر المركزية لتقنية المعلومات» (شركة شخص واحد)، المالكة والمشغلة لتطبيق «نعناع» الشهير في مجال توصيل البقالة والمستلزمات المنزلية بسرعة فائقة.
ووفقًا للإعلان الرسمي، دعت المحكمة جميع الدائنين إلى تقديم مطالباتهم المالية خلال مدة لا تتجاوز 90 يومًا من تاريخ الإعلان، وذلك ضمن إجراءات إعادة التنظيم المالي وفقًا لنظام الإفلاس السعودي. ويُعد هذا الإجراء خطوة قانونية تهدف إلى إعادة هيكلة الالتزامات المالية للشركة تحت إشراف قضائي، دون أن يعني الإفلاس الكامل أو التصفية أو إغلاق التطبيق.
خلفية الشركة ومسيرتها الاستثمارية
تأسست شركة نعناع | Nana في عام 2016 في مدينة الرياض على يد سامي الحلوة، الرئيس التنفيذي والمؤسس، كمنصة رائدة في مجال التجارة السريعة (Q-Commerce) المتخصصة في توصيل المقاضي والمنتجات الغذائية والمستلزمات المنزلية إلى الأبواب خلال 20 دقيقة تقريبًا. وتغطي المنصة حاليًا أكثر من 20 ألف منتج من المتاجر الكبرى،
بالإضافة إلى خدمات المطاعم والمنتجات الجمالية وبطاقات الهدايا الرقمية، وتعمل عبر شبكة من «المخازن السحابية» (Dark Stores) في عدة مدن سعودية.
شهدت الشركة نموًا سريعًا مدعومًا بجولات تمويل ضخمة، حيث جمعت أكثر من 200 مليون دولار أمريكي (حوالي 750 مليون ريال سعودي) عبر خمس أو ست جولات استثمارية رئيسية. وكانت أبرز هذه الجولات:
- جولة Series C في فبراير 2023 بقيمة 133 مليون دولار (500 مليون ريال)، بقيادة شركة «المملكة القابضة» (التابعة للأمير الوليد بن طلال) و«يوني فينتشرز»، بمشاركة مستثمرين كبار آخرين مثل «سلطان هولدينغ» و«الجاسر هولدينغ» و«الجماّز هولدينغ» و«دالة البركة».
- جولات سابقة شملت 18 مليون دولار في Series B عام 2020، و6.6 مليون دولار في الجولة الأولى عام 2019.
أسباب الأزمة المالية
رغم التمويل الضخم والتوسع السريع، واجهت الشركة تحديات مالية حادة ناتجة عن:
- تكاليف التشغيل العالية في قطاع التوصيل السريع (Last-Mile Delivery)، بما في ذلك الأسطول اللوجستي والمخزون والعمالة.
- المنافسة الشرسة من لاعبين كبار مثل «جاهز» و«هنقرستيشن» و«نون» و«كيتا»، التي أدت إلى حروب أسعار وتآكل الهوامش الربحية.
- تغير سلوك المستهلكين بعد جائحة كورونا، حيث أصبح العملاء أكثر حساسية للأسعار وأقل ولاءً للتطبيقات.
وقد أدى ذلك إلى ضعف الاقتصاديات التشغيلية (Unit Economics) رغم النمو الكبير. وفي مثال واضح على التأثير، أعلن الرئيس التنفيذي لتطبيق «جاهز» حمد البكر شطب 95% من استثمار الشركة في «نعناع» البالغ حوالي 2 مليون دولار خلال الربع الرابع من عام 2025.
الوضع الحالي
يستمر تطبيق «نعناع» في العمل بشكل طبيعي حاليًا، والموقع الرسمي والحسابات على وسائل التواصل نشطة. ويُنظر إلى إجراء إعادة التنظيم المالي كفرصة لإعادة ترتيب الديون وتحسين النموذج التشغيلي، مشابهًا لإجراء «Chapter 11» في النظام الأمريكي، بهدف الحفاظ على استمرارية النشاط التجاري.
يأتي هذا التطور في سياق تصحيح أوسع يشهده قطاع التجارة السريعة في المملكة، حيث أغلقت بعض المنصات المنافسة مثل «شقردي» تمامًا بسبب الضغوط ذاتها. ويُتوقع أن يؤثر القرار على ثقة المستثمرين في القطاع، لكنه يفتح الباب أمام إعادة هيكلة مستدامة تعزز الاستقرار طويل الأمد.
ويتابع المتابعون في قطاع التقنية والتجارة الإلكترونية هذا الملف عن كثب، مع الترقب لخطط الشركة المستقبلية خلال الـ90 يومًا المقبلة، سواء فيما يتعلق بإعادة جدولة الديون أو الشراكات الاستراتيجية أو حتى خيارات الطرح في سوق الأسهم السعودية «تداول» التي كانت مطروحة سابقًا.
أسباب الأزمة المالية لشركة نعناع
رغم جمع شركة المتاجر المركزية لتقنية المعلومات المالكة لتطبيق نعناع أكثر من 200 مليون دولار أمريكي عبر خمس جولات تمويلية رئيسية — أبرزها جولة Series C بقيمة 133 مليون دولار في فبراير 2023 بقيادة «المملكة القابضة» (ذراع الأمير الوليد بن طلال) و«يوني فينتشرز»
دخلت الشركة في إجراء إعادة التنظيم المالي أمام المحكمة التجارية بالرياض (الدائرة التاسعة) في 17 أبريل 2026. هذا الإجراء ليس إفلاسًا كاملاً أو تصفية، بل خطوة قانونية لإعادة هيكلة الديون تحت إشراف قضائي، مع منح الدائنين مهلة 90 يومًا لتقديم مطالباتهم.
الأزمة لم تكن مفاجئة تمامًا؛ فقد أعلن الرئيس التنفيذي لتطبيق «جاهز» حمد البكر شطب 95% من استثمار شركته (حوالي 2 مليون دولار) في «نعناع» خلال الربع الرابع من 2025، ووصفه بـ«خبر حزين على القطاع».
1. حرب الأسعار الطاحنة والمنافسة الشرسة (السبب الأبرز)
دخل قطاع التجارة السريعة (Q-Commerce) في السعودية سباقًا تنافسيًا عنيفًا بين لاعبين كبار مثل «جاهز»، «هنقرستيشن»، «نون»، «كيتا»، و«نينجا». اعتمدت المنصات على تخفيضات حادة وعروض «توصيل مجاني» و«حرق أسعار» (price dumping) لجذب العملاء وزيادة الحصة السوقية.
هذا النموذج أدى إلى استنزاف السيولة النقدية بسرعة فائقة، حيث تآكلت الهوامش الربحية (التي كانت منخفضة أصلًا في توصيل البقالة) إلى درجة غير مستدامة.
مثال واضح: تطبيق «شقردي» أغلق تمامًا بعد خدمة 3 ملايين عميل ومعالجة 7 ملايين طلب في 35 مدينة، للأسباب ذاتها. «نعناع» نجت مؤقتًا بفضل تمويلها الكبير، لكنها لم تتمكن من الاستمرار بنفس الوتيرة.
2. تكاليف التشغيل العالية جدًا (حرق نقدي مستمر)
يعتمد نموذج «نعناع» على مخازن سحابية (Dark Stores) وأسطول توصيل ضخم لضمان التسليم في 20 دقيقة تقريبًا، مع تغطية أكثر من 20 ألف منتج.
هذه البنية التحتية تتطلب تكاليف هائلة في:
- اللوجستيات (Last-Mile Delivery).
- إدارة المخزون.
- العمالة.
- التضخم في أسعار الوقود والعمالة.
في قطاع توصيل البقالة، الهامش الربحي منخفض جدًا (غالباً أقل من 5-10%)، بينما التكاليف الثابتة مرتفعة. أدى ذلك إلى «انفجار» في النفقات التشغيلية، حتى مع التمويل الضخم. الشركة بنت البنية التحتية أولاً (نموذج «التوسع الرأسمالي المسبق») متوقعة أن يلحق السوق بها، لكن الإيرادات لم تواكب التكاليف.
3. خلل في اقتصاديات الوحدة (Unit Economics) وعدم الربحية المستدامة
- النمو كان سريعًا جدًا لكنه غير مربح: اعتمدت الشركة على نموذج «النمو بأي ثمن» (growth at all costs)، مع تأجيل الاعتراف بالخسائر الحقيقية في المحاسبة.
- عند أول اختبار للسيولة (بعد كورونا)، انهار النموذج في «دوامة الموت» (Death Spiral): الإنفاق على اكتساب العملاء أكبر من القيمة الدائمة لكل عميل.
- توقعات سابقة (مثل نمو مركب 35% سنويًا، والوصول إلى نقطة التعادل في 2025، وإيرادات تتجاوز 3 مليارات ريال بحلول 2026) لم تتحقق بسبب الواقع التشغيلي القاسي.
4. ضعف الاستراتيجية والتسويق وتجربة العميل (أسباب داخلية)
- تخبط استراتيجي: تغييرات مستمرة في النموذج وعدم وضوح الرؤية طويلة الأمد.
- تقصير في التسويق: فترات طويلة بدون حضور قوي، مقارنة بمنافسين مثل «نينجا». بعض الآراء ترى الشعار والعلامة التجارية «مستفزة» أو غير جذابة.
- تجربة العميل: لم تكن كافية لخلق ولاء دائم، خاصة مع حساسية العملاء للسعر بعد جائحة كورونا (أصبحوا أقل ولاءً وأكثر مقارنة بين التطبيقات).
5. تحديات هيكلية في القطاع ككل (تصحيح السوق)
- بعد كورونا، تغير سلوك المستهلكين: زاد التركيز على الأسعار والكفاءة.
- القطاع يشهد تصحيحًا بعيدًا عن «النمو بأي ثمن» نحو التركيز على الربحية والكفاءة التشغيلية.
- «نعناع» ليست الوحيدة؛ المنافسة الشديدة وارتفاع تكاليف اللوجستيات أثرت على الجميع، لكن تمويلها الكبير أعطاها فرصة إعادة الهيكلة بدلاً من الإغلاق الفوري.
خلاصة جولة : أزمة متكررة
الأزمة مزيج من عوامل خارجية (منافسة + تكاليف + تغير السوق) وعوامل داخلية (إستراتيجية النمو غير المستدام). إجراء إعادة التنظيم يُعتبر فرصة لتقليص النفقات، إعادة جدولة الديون، وتحسين النموذج التشغيلي، مع استمرار التطبيق حاليًا. الأشهر الـ90 المقبلة ستكون حاسمة لمستقبل «نعناع»، وقد تشهد شراكات جديدة أو تركيزًا أكبر على الاستدامة.



