
في وول ستريت، يبدأ معظم المحللين الطريق من المكان ذاته: ليالٍ طويلة مع جداول إكسل، وتصحيحات لا تنتهي على عروض باوربوينت. قررت OpenAI دخول هذا العالم من بابه الضيق. مشروع داخلي يحمل اسم “Mercury” يجمع أكثر من 100 مصرفي استثماري سابق من مؤسسات مالية كبرى، لتلقين نماذج الذكاء الاصطناعي كيفية بناء النماذج المالية كما يفعل محترفو الصفقات.
الفكرة مباشرة: نقل “حِرفة” النمذجة من الذاكرة البشرية إلى خطوات قابلة للتنفيذ آليًا. حيث يكتب المشاركون تعليمات واضحة، وينشئون نماذج لعمليات مثل الطرح العام الأولي وإعادة الهيكلة، وفق قواعد شكلية ومضمونية دقيقة يعرفها العاملون في المجال جيدًا: حجم الهوامش، وتنسيق النسب، وطريقة عرض الحساسية، وتسلسل الفرضيات. العمل نفسه يخضع لمراجعات أسبوعية قبل أن يصبح “مكوّنًا” داخل أنظمة OpenAI.
اللافت أن آلية الانضمام للمشروع تعكس ما يحاول تغييره. مقابلة أولى يجريها روبوت محادثة اعتمادًا على السيرة الذاتية، ثم اختبار في القوائم المالية، فامتحان نمذجة عملي. لا مقابلات مطولة ولا جولات تعارف. المطلوب مهارة تُقاس بنتيجة نموذج يُسلم مرة كل أسبوع.
لماذا الآن؟
OpenAI تلاحق تطبيقات عملية واسعة لقدراتها، من الاستشارات إلى القانون والتمويل، فيما لم تصل بعد إلى الربحية رغم تقييمها ضخم. وفي الجهة المقابلة، تتشكل سوق حقيقية لأدوات تختصر 60 إلى 80 ساعة عمل أسبوعيًا من مهام تكرارية في البنوك.
بين الحماسة والمخاوف، يظهر السؤال المعتاد: هل يختفي دور المحلل المبتدئ؟ الإجابة الأدق: يتغيّر.
ما يمكن تحويله إلى خطوات مبرمجة سيُنجز آليًا، وما يحتاج حكمًا مهنيًا سيزداد قيمة: اختبار معقولية الافتراضات، قراءة إشارات السوق، تفسير النتائج في سياق الصفقة واللوائح.
قائمة المشاركين تمنح “Mercury” وزنًا إضافيًا، فهي تشمل أسماء عملت سابقًا في Brookfield و KKR و Evercore و Mubadala، إلى جانب طلاب ماجستير إدارة أعمال من هارفارد وMIT. الهدف ليس تجميع أمثلة عابرة، بل ترسيخ معايير ممارسة متفق عليها داخل قوالب واضحة يسهل على النماذج تعلمها وتعميمها.
قد يهمك | كيف يقود الذكاء الاصطناعي التحوّل في التوظيف للشركات الناشئة؟
التأثير لن يتوقف عند حدود البنوك. إذا أصبحت النمذجة الأساسية أسرع وأدق، ستظهر طبقات جديدة من الخدمات: تدقيق الافتراضات، ومراقبة الجودة، وتتبع تغيّر المدخلات لحظة بلحظة، وصولًا إلى توليد عروض متسقة شكليًا مع أدلة البنوك البصرية. هذه المساحة مرشحة لجذب شركات ناشئة تبني فوق قدرات النماذج العامة حلولًا متخصصة جاهزة للاستخدام داخل فرق الصفقات.
ومع ذلك، تبقى حدود لا يمكن تخطيها، حيث أن سرعة إنشاء الجداول لا تعني قرارات أفضل تلقائيًا. وتقاس الجودة بمتانة الفرضيات، ودقة الحساسية، وقدرة الفريق على ربط الأرقام بواقع قطاعي وتنظيمي يتحرك بسرعة. عند هذه النقطة، يصبح دور الإنسان أوضح: وضع القواعد، ومراقبة الانحرافات، وشرح “لماذا” قبل “بكم”.
الخلاصة
ما تحاوله OpenAI في “Mercury” هو تحويل خبرة تراكمت في طوابق الإكسل إلى لغة تفهمها الآلة وتنفذها بثبات.
إن نجح الرهان، سيتراجع وزن العمل اليدوي لصالح مهارات الإشراف والتفسير وتصميم سير العمل.
بالنسبة لصناعة الاستثمار الجريء، الرسالة عملية: ألم واضح في سوق كبيرة، وحل يمكن أن يعيد توزيع الأدوار بسرعة. أما للمحللين الجدد، فالنصيحة بسيطة ومباشرة: تعلّم كيف تدير الأداة وتحاسبها، لا كيف تنافسها على كتابة الصيغ.
للاطلاع على آخر أخبار الاستثمار الجريء، تابع جولة على إكس أو لينكدإن.



