
في النقاشات الدائرة حول الذكاء الاصطناعي، ينشغل الجميع تقريبًا بالمقارنة بين النماذج: من الأقوى؟ من الأدق؟ من الأسرع؟ لكن داخل شركة Anthropic، حيث يتم تطوير نموذج Claude، يبدو أن هناك سؤالًا آخر أكثر أهمية: كيف يجب أن يعمل البشر في وجود نموذج قادر على تنفيذ جزء كبير من العمل؟
في مقابلة حديثة، تحدث Boris Cherny، أحد القادة المسؤولين عن تطوير Claude Code، عن الطريقة التي يدير بها فريقه. اللافت في حديثه أنه لم يركّز على تفاصيل تقنية معقدة، بل على فلسفة العمل نفسها، وعلى التحولات التي يجب أن تحدث داخل الفرق إذا أرادت الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي.
الفكرة الأولى التي يكررها تشيرني لفريقه بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في أثرها: إذا كان بإمكان Claude تنفيذ المهمة، فلا ينبغي أن يبدأ الإنسان بها أصلًا. هذه ليست دعوة للكسل، بل لإعادة توزيع الأدوار. في النموذج التقليدي، يبدأ الموظف بالمهمة ثم يستخدم أدوات لمساعدته. أما في النموذج الجديد، فالسؤال يبدأ من زاوية مختلفة تمامًا: هل هذه مهمة بشرية من الأساس، أم أنها قابلة للأتمتة بالكامل؟
هذا التحول في التفكير يغيّر طبيعة العمل اليومية. دور الفرد لم يعد محصورًا في التنفيذ، بل في التوجيه، والمراجعة، وصياغة الطلبات، وضبط المعايير. بمعنى آخر، القيمة لم تعد في كتابة كل سطر بنفسك، بل في معرفة كيف تطلب من النظام أن يكتب ما تحتاجه بدقة وسرعة.
النقطة الثانية التي أشار إليها تشيرني أكثر إثارة للاهتمام. ففي بعض الحالات، لا يتم منح الفرق موارد ضخمة في البداية، بل يتم العمل ضمن حدود ضيقة نسبيًا. الهدف من ذلك ليس التقشف بقدر ما هو دفع الفريق إلى الاعتماد العميق على قدرات Claude. عندما تكون الموارد متاحة بكثرة، تميل الفرق إلى الحلول التقليدية: توظيف مزيد من الأشخاص، تقسيم العمل، إطالة دورة التطوير. أما عندما تكون الموارد محدودة، يصبح من الضروري التفكير في كيفية جعل الذكاء الاصطناعي يتحمل الجزء الأكبر من الجهد.
هذا الأسلوب يخلق ثقافة مختلفة داخل الفريق، ثقافة ترى في الأتمتة الخيار الأول وليس البديل الاحتياطي. ومع مرور الوقت، يتحول الاعتماد على الذكاء الاصطناعي من تجربة جانبية إلى بنية تشغيل أساسية.
أما المبدأ الثالث الذي تحدث عنه فيتعلق بالسرعة. في سوق يتطور بوتيرة أسبوعية، لم يعد التخطيط الطويل والبحث عن النسخة المثالية استراتيجية آمنة. يشير تشيرني إلى أن فريقه تمكن من بناء أدوات خلال أيام قليلة بالاعتماد على Claude في التنفيذ والتجريب. الفكرة هنا أن الجودة لم تعد تتحقق عبر الانتظار الطويل، بل عبر التكرار السريع والتحسين المستمر.
ما تكشفه هذه المبادئ ليس مجرد طريقة إدارة داخل شركة واحدة، بل ملامح مرحلة جديدة في تنظيم العمل. الشركات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة إضافية قد تحسن إنتاجيتها نسبيًا، لكنها ستظل تعمل بالعقلية القديمة نفسها. أما الشركات التي تعيد تصميم أدوار فرقها، وتفترض أن الأتمتة هي نقطة البداية، فستعمل بسرعة مختلفة تمامًا وبهيكل تكلفة مختلف أيضًا.
التحول الحقيقي إذن لا يكمن فقط في تطور النماذج، بل في تطور طريقة التفكير داخل الفرق. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم على أي مؤسسة تقنية ليس ما إذا كانت ستستخدم الذكاء الاصطناعي، بل ما إذا كانت مستعدة لإعادة تعريف أدوار موظفيها في ضوء وجوده.



