
عند قراءة النتائج المالية لأي شركة، يركز معظم المتابعين على رقم واحد فقط: صافي الربح. لكن في كثير من الأحيان، قد يخفي هذا الرقم قصة مختلفة تمامًا عمّا يحدث داخل الشركة.
وهذا بالضبط ما تكشفه نتائج مجموعة MBC لعام 2025.
ففي الوقت الذي ارتفعت فيه إيرادات المجموعة بنسبة 28.5% لتصل إلى 5.39 مليار ريال سعودي مقارنة بـ 4.19 مليار ريال في 2024، ارتفع صافي الربح بنسبة محدودة بلغت 2.7% فقط ليصل إلى 437.5 مليون ريال.
بالنسبة لبعض المتابعين، قد يبدو هذا النمو المحدود في الأرباح إشارة إلى ضعف الأداء. لكن عند النظر بعمق في التقرير المالي، يتضح أن ما يحدث في الواقع هو مرحلة استثمار كبيرة في مستقبل الشركة.
شاهِد… الاستثمار الذي يضغط على الأرباح اليوم
أحد أهم أسباب الضغط على أرباح MBC هو التوسع الكبير في منصة Shahid للبث الرقمي.
فقد ارتفعت إيرادات المنصة إلى 1.38 مليار ريال سعودي خلال عام 2025، بنمو 28.2% مقارنة بالعام السابق، مدفوعة بزيادة الاشتراكات والإعلانات الرقمية داخل المنصة.
لكن رغم هذا النمو القوي، ما تزال المنصة تسجل خسائر بلغت 78.7 مليون ريال خلال العام.
وهنا تظهر المفارقة التي يخطئ كثيرون في فهمها:
هذه الخسارة ليست نتيجة ضعف الطلب أو تراجع في الأداء، بل نتيجة الإنفاق الكبير على إنتاج المحتوى والتوسع في المنصة.
بمعنى آخر، الأموال التي تظهر في القوائم المالية كخسائر هي في الواقع استثمار في بناء مكتبة محتوى ومنصة رقمية قادرة على تحقيق أرباح أكبر في المستقبل.
نموذج معروف في شركات البث العالمية
ما تقوم به MBC اليوم ليس حالة فريدة، بل هو نموذج تكرر في صناعة البث الرقمي عالميًا.
فعندما بدأت شركات مثل Netflix و Disney+ في التوسع، أنفقت مليارات الدولارات على إنتاج المحتوى وبناء المنصات، وهو ما أدى إلى انخفاض الأرباح أو تسجيل خسائر في بعض السنوات.
لكن هذه الاستثمارات تحولت لاحقًا إلى أحد أكبر مصادر الإيرادات في صناعة الإعلام.
ويبدو أن MBC تتبع الاستراتيجية نفسها:
تحمل التكاليف الآن لبناء منصة قادرة على تحقيق أرباح أكبر لاحقًا.
التحول الحقيقي داخل MBC
تكشف نتائج 2025 أن MBC لم تعد مجرد شبكة قنوات تلفزيونية تعتمد على الإعلانات، بل تتحول تدريجيًا إلى شركة محتوى رقمي متكاملة.
فالمنصة الرقمية، والاشتراكات، والإعلانات الرقمية أصبحت تلعب دورًا متزايدًا في نمو الإيرادات، إلى جانب استمرار البث التلفزيوني التقليدي كمصدر مهم للدخل.
هذا التحول يتطلب استثمارات ضخمة في:
- إنتاج المحتوى الأصلي
- شراء حقوق البث
- تطوير التكنولوجيا والمنصات
- التوسع في الأسواق الإقليمية
وهي كلها عوامل تضغط على الأرباح في المدى القصير، لكنها قد تعزز مكانة الشركة في المدى الطويل.
لماذا قد تكون هذه “الخسارة” استثمارًا ناجحًا؟
في اقتصاد المحتوى الرقمي، القيمة الحقيقية لا تأتي من الربح السريع، بل من امتلاك المنصة والمحتوى والجمهور.
كلما توسعت قاعدة المشتركين وزادت مكتبة المحتوى، ارتفعت قدرة المنصة على تحقيق أرباح أكبر من الاشتراكات والإعلانات في المستقبل.
وبالنسبة لـ MBC، فإن نجاح منصة Shahid قد يعني بناء أكبر منصة بث عربية في المنطقة، وهو ما قد يفتح مصادر دخل أكبر بكثير من نموذج القنوات التقليدية.
خلاصة جولة
تكشف نتائج MBC لعام 2025 عن مفارقة مهمة في عالم الأعمال: ليس كل انخفاض في الأرباح خسارة فعلية.
ففي حالة MBC، يبدو أن ما يظهر في القوائم المالية كضغط على الأرباح هو في الواقع استثمار طويل الأجل في بناء منصة محتوى رقمية قادرة على تحقيق عوائد أكبر في المستقبل.
وبالنسبة لصناعة الإعلام في المنطقة، قد تكون هذه المرحلة مجرد بداية لسباق جديد نحو اقتصاد البث الرقمي.



