
في لحظة قد تبدو تنظيمية على السطح، أصدرت هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية خريطة تعريفية لمقدمي خدمات إنترنت الأشياء في المملكة، لكنها في الواقع تكشف عن شيء أعمق بكثير من مجرد تصنيف شركات. ما تم نشره هو أقرب إلى صورة دقيقة لسوق يتشكل بهدوء، ويستعد ليكون أحد أهم أعمدة الاقتصاد الرقمي في السعودية خلال السنوات القادمة.
تعريف إنترنت الأشياء
قدمت هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية تقريراً تعريفًا دقيقًا لإنترنت الأشياء باعتباره شبكة من الأجهزة القادرة بشكل مستقل على الاستشعار أو التفاعل مع البيئة، إضافة إلى جمع البيانات ونقلها بين المكونات المختلفة .
هذا التعريف يضع ثلاث وظائف أساسية لأي نظام IoT:
- الاستشعار
- المعالجة
- النقل
وهي وظائف تشكل الحد الأدنى لأي حل تقني داخل السوق، ما يعني أن أي شركة لا تغطي هذه الدورة الكاملة تظل جزءًا جزئيًا من المنظومة وليس لاعبًا متكاملًا.
وسائل الإتصال: أكثر من 9 تقنيات تغطي سيناريوهات تشغيل مختلفة
أشار تقرير الهيئة إلى تعدد وسائل الاتصال المستخدمة في إنترنت الأشياء، والتي تشمل تقنيات مثل:
RFID، ZigBee، Bluetooth، Wi-Fi، الشبكات الخلوية (2G–5G)، NB-IoT، LTE-M، LoRa، Sigfox
كل تقنية من هذه التقنيات تخدم حالة استخدام مختلفة، حيث تختلف في:
- نطاق التغطية
- استهلاك الطاقة
- سرعة نقل البيانات
- التكلفة
ويؤكد التقرير أن اختيار وسيلة الاتصال لا يتم بشكل عشوائي، بل بناءً على معايير تشغيلية تشمل كثافة الأجهزة، ومتطلبات السرعة، وتكلفة التنفيذ.
134 شركة تعكس انتقال السوق لمرحلة النضج
البيانات التي تضمنتها خريطة هيئة الاتصالات تشير إلى وجود 134 شركة تعمل في مجال إنترنت الأشياء، موزعة على خمس فئات رئيسية تشمل المنصات، الحلول، التكامل، الأجهزة، والاتصالات. هذا الرقم لا يعكس فقط حجم السوق، بل يعكس مرحلة جديدة، حيث لم يعد القطاع في طور التجربة، بل أصبح منظومة متكاملة بدأت تتشكل ملامحها بوضوح.
المنصات والحلول تقودان القيمة
عند النظر إلى توزيع الشركات، يظهر أن الكتلة الأكبر تتركز في:
- منصات إنترنت الأشياء (38 شركة)
- الحلول والتطبيقات (36 شركة).
هذا التوزيع يعكس تحولًا مهمًا في السوق، حيث لم يعد التركيز على البنية التحتية فقط، بل على كيفية تشغيلها وتحقيق قيمة منها. القيمة انتقلت من “توصيل الأجهزة” إلى “إدارة البيانات”، وهو ما يعكس نضجًا واضحًا في السوق.
البيانات أصبحت مركز السوق
ما تكشفه هذه الأرقام هو أن السوق لم يعد قائمًا على الأجهزة أو الاتصال فقط، بل أصبح قائمًا على البيانات. منصات إنترنت الأشياء أصبحت تمثل العقل الذي يدير هذه المنظومة، حيث تقوم بربط الأجهزة وتحليل البيانات وتقديمها في صورة قابلة للاستخدام. هذا التحول يعكس الاتجاه العالمي، لكنه يظهر في السعودية بشكل متسارع وواضح.
تشغيل الواقع وليس بناءه فقط
وجود 23 شركة تعمل في تكامل الأنظمة داخل خريطة هيئة الاتصالات يشير إلى أن التحدي لم يعد في بناء التكنولوجيا، بل في تشغيلها داخل بيئات حقيقية. مشاريع مثل المدن الذكية والبنية التحتية الرقمية تعتمد على دمج أنظمة متعددة، وهو ما يجعل شركات التكامل عنصرًا حاسمًا في نجاح هذه المشاريع، وليس مجرد جزء تكميلي.
الأجهزة والاتصالات في خريطة الهيئة
رغم أن عدد الشركات في الأجهزة (20 شركة) والاتصالات (17 شركة) أقل نسبيًا، إلا أن هذه الطبقات تظل الأساس الذي يقوم عليه السوق بالكامل. لكن اللافت أن القيمة لم تعد تتركز فيها، بل في الطبقات الأعلى، وهو ما يعكس تحولًا اقتصاديًا مهمًا من الاستثمار في البنية التحتية إلى الاستثمار في الخدمات والتطبيقات.
قراءة استثمارية :سوق جاهز للمنافسة
وجود أكثر من 130 شركة في سوق واحد يعني أن المنافسة لم تعد مستقبلية، بل بدأت بالفعل. خريطة هيئة الاتصالات تشير إلى سوق دخل مرحلة التنافس، وهو ما يفتح الباب أمام موجة قادمة من:
- الاستحواذات
- الاندماجات
- وإعادة تشكيل السوق
هذه المرحلة عادة ما تكون الأكثر جذبًا للمستثمرين، لأنها تمثل بداية تشكّل الكيانات الكبرى.
الطلب الحقيقي خلف النمو
نمو سوق إنترنت الأشياء في السعودية لا يأتي من فراغ، بل مرتبط بشكل مباشر بمشاريع التحول الرقمي، والمدن الذكية، والبنية التحتية الحديثة. خريطة هيئة الاتصالات تعكس سوقًا مدفوعًا بطلب حقيقي، وليس مجرد اتجاه تقني، وهو ما يزيد من استقراره وجاذبيته الاستثمارية.
من سوق ناشئ إلى ساحة تنافس
ما تكشفه خريطة هيئة الاتصالات في النهاية هو أن سوق إنترنت الأشياء في السعودية لم يعد في مرحلة التوقع، بل دخل مرحلة التشكّل الفعلي. الأرقام تعكس توزيع القوة داخل السوق، وتوضح أين تتركز القيمة، ومن يملك الفرصة للسيطرة.
السؤال لم يعد: هل سينمو السوق؟
بل: من سيتمكن من السيطرة على طبقاته الأكثر تأثيرًا قبل أن يصل إلى مرحلة التشبع؟



